مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

بين الخصوصية والعالمية

على الرغم من التغيرات الثقافية المهولة التي تمر بها مجتمعاتنا المعاصرة إلا أن القيم ما تزال حاضرة بقوة في وجدان وسلوك الفرد والجماعة البشرية، فالقيم تمثل ركناً من أهم الأركان التي يقوم عليها الاجتماع البشري في جميع العصور والدهور، وهنا نذكر حضور كثير من القيم عند العرب قبل الإسلام، كما هو الحال في قيم الكرم، والشجاعة، والنجدة، والحياء ، وحسن الجوار، وحسن الضيافة.

وللقيم في إطارها العام أهمية متعددة الجوانب فهي على المستوى الاجتماعي تجسّد ثقافة المجتمعات وتعزز تماسكها وقوة نسيجها الوطني. وعلى المستوى الفردي فإنها تصنع الشخصية وتوجه السلوك وتعزز القدرة على التفاعل والانتظام في محيطها المجتمعي والطبيعي.
القيم هي أكثر من مجرد معرفة نظرية، فهي منظومات متكاملة تقوم على ترتيب خاص يختلف من ثقافة إلى أخرى، بعضها مركزي وبعضها ثانوي، كما يقول الجابري: «القيم المركزية التي تنتظم حولها جميع القيم، في عصر من العصور، وبين القيم الأخرى المندرجة تحتها». وهذا كلام يقارب مقياس (روكيش ميلتون) للقيم الغائية مثل (السعادة، والسلام العالمي، والمساواة) والقيم الوسيلية مثل (الإخلاص، والشجاعة، والطاعة).
من الإشكالات التي تعترض الحديث عن القيم في سياقنا العربي المعاصر مسألة التركيز على خصوصية القيم الإسلامية وعلاقتها بالدين، وهنا نجد اعتقاداً شائعاً بين كثير من المتحدثين عن القيم وهو القول بخصوصية القيم التي جاء بها الإسلام، كما في قول السرجاني: القيم والأخلاق تتميز في الإسلام بأنّ مصدرها الوحي، فلم تكن نتيجة فكرٍ بشريٍ أو غيره.
وللتوقف على العلاقة (التفاعلية) بين الدين والقيم أذكر هنا التعريف الذي يصف القيم الإسلامية بأنها: «مجموعة من الأحكام والمعايير الناجمة عن تصوّرات الإسلام للكون والإله والإنسان والحياة، والتي تتكوّن نتيجة تفاعل الفرد والمجتمع مع الخبرات والمواقف الحياتية المختلفة، وبها يتمكّن الفرد من تحديد أهدافه وتوجهاته التي تتجسّد بسلوكه العملي بصورةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرةٍ». إن هذا التعريف يؤكد على «تفاعل الفرد والمجتمع مع الخبرات والمواقف الحياتية المختلفة»، فالقيم (الإسلامية) ليست تصورات مثالية تتجاوز عالمنا الأرضي (الفاسد)، وهنا أشير إلى خطورة النظر إلى الثقافات البشرية باعتبارها فاسدة وخاطئة ونقيضاً لعالم القداسة المطلق!
صحيح أن هناك تأثيراً متصاعداً للقيم الغربية على قيم المجتمعات العربية والإسلامية، ولكن من هذه القيم ما هو مفيد ونافع كما في قيمة الإبداع، حرية التفكير، النظام والمساواة، الديمقراطية، الاستقلالية الفردية. ومن هنا فإن التركيز على خطورة القيم الغربية على القيم العربية والإسلامية والبحث أن أسوأ تمثلاته لن يساعدنا على فهم تلك الثقافة أو الاستفادة منها. وهنا أذكر أن بعض المفكرين الغربيين قد انتقدوا التدهور القيمي لديهم، كما فعل ألبرت شفتزر في كتابه الحضارة والأخلاق (civilization and Ethics) عندما انتقد ما انحدرت إليه الحضارة الحديثة، من تدهور في القيم العليا، حتى فقد الإنسان جوهره الروحي.
إن خطورة العولمة على القيم الإسلامية تتمثل في تنميط القيم ومحاولة صهر الثقافات البشرية في أنموذج واحد. والسؤال هو كيف يمكن للمجتمع أن يحافظ على هويته الدينية والثقافية في ظل الانفتاح على العصر وقبول الآخر والاعتراف بخصوصيته الثقافية؟
وفي نهاية المطاف لا يمكن للبشرية أن تواجه مشكلاتها الكبرى دون قيم التعاون والتضامن، فالقيم الإنسانية المشتركة بمعناها العميق لا تُضعف الشُّعور بخصوصيَّة المعتقدات الدِّينيَّة، ولا تناقض الهُويَّة الثقافية أو الوطنية، وإنما تخصبها وتنضجها وتهبها أفقاً جديداً.

ذو صلة
التعليقات