مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

كتب وقراءات



الكتاب: بين الفن والطبيعة
المؤلف: جون و. بيتي
المترجم: الحسين خضيري
الناشر: دار ترياق للترجمة والنشر والتوزيع، الرياض، 2022.

في بحثِه الواضح والمقنِع للغاية عن المبادئ الأساسية للفن، يمنحنا جون و. بيتي المبادئ الأكثر وضوحاً والأكثر تشويقاً، لنتتبع علاقة الفن بالطبيعة، كما عبَّر عنها الفنَّانون أنفسهم بكلماتهم الخاصّة، مِن أزمنةٍ ومذاهبَ مختلفة، مع آراء فلاسفة وكتَّاب ومؤلفين.
لقد كان هو نفسه رسَّاماً شهيراً، كان السيد بيتي مديراً مستنيراً لمعهد الفنون الجميلة في كارنيجي Carnegie، حيث أقام بمفرده معارضَ سنويةً للفنون؛ لذا فقد أمضى كثيراً مِن فترات حياته في صداقاتٍ حميمة مع أفضل الرسامين والنحَّاتين، وها هي آراؤه وآراؤهم وملاحظاتهم هنا، كي يقرأها ويستمتع بها ويفيد منها فائدةً عظيمة، كلُّ المهتمين بالفن.



الكتاب: نجيب المانع.. حياته وآثاره
الإعداد: محمد عبدالله السيف
الناشر: جداول للنشر والترجمة والتوزيع، بيروت، 2022.

يُسلّط هذا الكتاب الضوء على محطات مهمة في سيرة نجيب المانع، من مولده في الزبير وانتهاءً بوفاته في لندن، مروراً في البصرة وبغداد وبيروت، كما يضمُّ مُجمل ما نشره من مقالات في عديد من الصحف والمجلات العربية. ويأتي نشر هذه الآثار الأدبية وفاءً له وتذكيراً به لدى أجيال ثقافية عربية لم تُتح لها الفرصة للاطلاع على إبداعاته وشيء من سيرته وحياته، وهي حياة ثقافية حافلة بالكثير والكثير، مما سيطلع عليه القارئ في هذا الكتاب.



الكتاب: تراثنا والجمال: مختارات من الفكر الجمالي القديم
المؤلف: سعد الدين كليب
الناشر: دار التكوين، دمشق، 2022.

الغرض من هذه المختارات هو غرض معرفي وثقافي في المقام الأول. إننا نريد أن نعرف كيف كان أسلافنا يشعرون بالجمال وكيف يفكّرون به، وما أغراضهم منه وما أحلامهم فيه، وما أنواعه لديهم وأشكاله، وكيف يميّزون بين الجميل والقبيح، أو كيف يفرّقون بين الجميل والجليل، وما هي اللذائذ والمسرّات عندهم، وكيف فكّروا بالأذواق المختلفة والفنون المتعدّدة، وما هي أفاعيل الفنّ وأغراضه، وما علاقته بالفرد والمجتمع... إلى آخر تلك السلسلة من الأسئلة التي تحدّد الإجابةُ عنها نمطَ التفكير الجمالي والمعرفي عامة. إنّ معرفة هذا هو في ذاته غرض الأغراض بالنسبة إلى الأبناء والأحفاد تجاه آبائهم وأجدادهم، إنه واجبهم المعرفي تجاه تاريخهم، حتى لو كانوا على قطيعة معرفية أو ثقافية معه.



الكتاب: الإعلان العالمي للحقوق اللغوية
المؤلف: هيثم سرحان - عذبة المسلمان
الناشر: الدار الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، 2022.

الكتابة روح الحياة والقراءة فرض عين، واللغة حق مشروع من حقوق البشر ومظلة أمنٍ وأمان للناطقين بها. ابن جني تبصّر فيها «أصواتاً يعبّر كلّ قوم عن أغراضهم». واللسانيّون لاحظوا أن رؤية المرء للعالم محدّدة بالبنية النحوية والمعجمية للسان الأول الذي تعلّمه في طفولته، أي اللغة الأم التي تتقارب الأرحام على أساس منها، فهي في وعيه عماد الهوية القومية وركيزة المجتمع وناقل معالم الحضارة وحاضن الموروث الثقافي.



محمد عبدالقادر فقيه شاعر الأطياف 1920 - 2009

وانطلقنا.. تزحم الدّربَ رؤانا
من سنا الماضي وأمجاد صبانا
نحن.. مَن نحن.. لهيبٌ وسنا
لم يزدْنا العنف إلا عنفوانا
الجبال الشُّمُّ كم قِلْنَا بها
والنجوم الزهر كم شامت سرانَا
يرى أحد دارسيه أن الشاعر فقيه «يقع في مرحلة وسطى بين التقليد المحض وبين التجديد المنقطع عن كل ما سبقه من مراحل شعرية».. مشيراً في هذا إلى أن الفقيه أخذ من الرومانتيكية أهم مظاهرها وهي (النزعة الذاتية)، مؤكداً أنها لم تكن «ذاتية سلبية عاجزة عن الإسهام في النهوض بروح الجماعة، وفي تكريس القيم والمثل، وإنما كانت ذاتية بنّاءة لم يتقدّم فيها خياله بما يناقض الأفكار والمعتقدات العامة كما كان يفعل الرومانتيكيون الغربيون وبعض مقلديهم من الشعراء العرب».
ويدلل على فرضيته هذه بالإشارة إلى أنه لم يكتف في شعره بما انطوى عليه عالمه الخاص من مشاعر وانفعالات برغم إعاقته السمعية، كما أنه مزج في شعره بين الأمل واليأس والإحباط والطموح وربط الماضي بالحاضر والمستقبل.
ورصدت مظاهر الذاتية: (الحزينة، والمتأملة والصابرة والمغتربة والمحبة والمفتخرة) وتتمثل هذه (الحالات) بنماذج من شعر الفقيه تدعم تلك الفرضية فـ(الذات الحزينة) تقرأ في قصيدته (أيها الشعر)، وفيها يقول:
أيها الشعر يا نجيِّي وسلواني ويا منقذي من الأوصاب
يا سميري الوفيُّ إن نزف القلب جروحاً من رفقتي وصابي
وأما (الذات المتأملة) فجمع فيها الفقيه بين (الفن والفكر) برأي العوّاد، فيما يشير أحد دارسيه إلى أن الفقيه في تأملاته اكتفى بما يتعلق بالذات الإنسانية وما يعتريه من فرح وحزن، وهو في هذا متمسك بروحه الإيمانية غير ساخط من الأقدار ونوازلها ويبدو ذلك جليّاً في قوله:
يا ربّ عوضتني عمّا أكابده
أني رضيت بما أعطيت من عِوضِ
يا رب زدني رضاءً بالذي نزلت
به المقادر من سعدٍ ومن مرضِ
فيما تشير الباحثة سلوى محمد عرب إلى أن جمع «معانٍ رائعة في قوالب لغوية أكسبتها ما نشعر به من الروعة والجمال.. ذلك أن الشاعر قد وظّف هذه التراكيب اللغوية من اختيار للمفردات المتضادة والعبارات المتقابلة في المعنى والكنايات التي لم يصرّح فيها بمراده ليترك خيال المتلقّي ينطلق إلى معانٍ قد تضيق عن استيعابها الكلمة الواحدة».
ولد الشاعر بمكة المكرمة، وتلقى تعليمه الابتدائي بمدارس مكة ولكنه انقطع عن الدراسة إثر فقده لحاسة السمع. اشتغل بالتجارة، ثم مارس صناعة العُقل والشطاطيف لفترة، ثم اعتزل في منزل والده. وفي عام 1378 عمل موظفاً بالمديرية العامة للصحافة والإذاعة والنشر في وظيفة مراقب مطبوعات بجدة، وبعد عامين عاد إلى مكة وعمل مديراً لمكتب مراقبة المطبوعات إلى أن أحيل إلى التقاعد عام 1398.
نشر بعضاً من نتاجه الشعري والنثري في الصحف والمجلات السعودية.
دواوينه الشعرية: أطياف من الماضي 1975 - المجموعة الشعرية الكاملة 1993.
كتب مقدمة الطبعة الأولى لديوانه أطياف من الماضي الأستاذ عبدالعزيز الرفاعي، وهي مقدمة بها ما يشبه السيرة الذاتية للشاعر.
وضعت عنه دراسات وأطروحات أكاديمية: بنية الخطاب الشعري عند محمد عبد القادر فقيه: دراسة في بلاغة النص وضعتها آمال يوسف سيد يوسف، (الذاتية في شعر محمد عبدالقادر فقيه)، لمحمد عبدالله آل سلطان الأسمري فيما تناولت الدكتورة سلوى محمد عرب في كتابها (الغربة في شعر الأستاذ: محمد عبدالقادر فقيه دراسة تركيبية دلاليَّة).



سلافوي جيجك.. التفكير باللون الباهت

في حوار سلافوي جيجك مع ستيوارت جيفريز يقول: «ثمة جماعة يسارية هنا في لندن يكرهونني»، ويعود مؤكداً: «معظم اليسار يكرهني» ويصف خصومه هؤلاء بأنهم «متسلحون بصفحة فيسبوك زائفة» فهم من شوهوا سمعته على الإنترنت، مدعين بأن ثمة شيئاً يجمعه بالمطربة المشهورة ليدي جاجا، ويعترف: «كان خطئي هو أنني قمت بإنكار العلاقة بشكل كلي في الصحافة، كان من الأفضل لو أنني قلت «لا تعليق» تاركاً فراغاً للاحتمالية بأنني حبيبها».
إنه منظّر اجتماعي سلوفيني، قدم مساهمات في النظرية السياسية، ونظرية التحليل النفسي والسينما النظرية، وهو أحد كبار الباحثين في معهد علم الاجتماع بجامعة ليوبليانا، يلقي محاضرات عادةً في مدرسة Logos في سلوفينيا، وهو أستاذ في كلية الدراسات العليا الأوروبية، ويوصف بأنه (أخطر فيلسوف سياسي في الغرب).
عمل أستاذاً زائراً في جامعات شيكاغو، كولومبيا، برينستون، نيويورك، مينيسوتا، كاليفورنيا، ميشيغان وغيرها من الجامعات، ويشغل حالياً منصب المدير الدولي لمعهد بيركبيك للعلوم الإنسانية في كلية بيركبيك - جامعة لندن، ورئيساً لجمعية التحليل النفسي النظرية في ليوبليانا، وكتب حول العديد من المواضيع كالرأسمالية، الأيديولوجية، الأصولية، العنصرية، التسامح، التعددية الثقافية، حقوق الإنسان، البيئة، العولمة، حرب العراق، الثورة، الطوباوية، الشمولية، ما بعد الحداثة، ثقافة البوب والأوبرا والسينما، واللاهوت السياسي، والدين، ويتميز بغزارة الكتابة، إذ طبع حتى الآن أكثر من 70 كتاباً، بالإضافة إلى كتاباته شبه الدورية في صحف ومجلات متعددة كالغارديان ونيوستيتسمان ومجلة ذا بافلر.
ولد جيجك في لوبلانا عاصمة سلوفينيا لعائلة من الطبقة المتوسطة عام 1949، والده كان خبيراً اقتصادياً وموظفاً مدنياً من منطقة بريكمورج في شرق سلوفينيا، وأمه كانت تعمل محاسبة في مؤسسة تابعة للدولة. أمضى معظم طفولته في مدينة بورتوروز الساحلية، ثم انتقلت عائلته إلى لوبلانا حينما كان سلافوي في سن المراهقة. وبالنسبة لوالديه فهما ملحدان.
في عام 1967م، التحق بجامعة لوبلانا، حيث درس الفلسفة وعلم الاجتماع. وحصل على دكتوراه في فنون الفلسفة من جامعة لوبلانا، ودرس التحليل النفسي في جامعة باريس الثامنة، وأعيقت مهنته في وقت مبكر بسبب البيئة السياسية في السبعينات، وذلك بعد أن بدأ دراسته في عصر التحرر النسبي من النظام الشيوعي، وهو أحد المتأثرين بالفيلسوف السلوفيني الماركسي (بوجيدار ديبينياك) الذي قدم فكر مدرسة فرانكفورت وهي (حركة فلسفية نشأت بمدينة فرانكفورت سنة 1923م) إلى سلوفينيا، ودرّس ديبينياك الفلسفة الألمانية في كلية الفنون التابعة لجامعة لوبلانا، كذلك أثرت فيه قراءاته لماركس وهيغل، وقد كان سلافوي يتردد على أوساط المثقفين المنشقين، ونشر مقالاته في عدة مجلات كمجلة Praxis وTribuna وProblemi وكان أحد محرريها.
نقل إلى العربية من كتبه: مرحباً في صحراء الواقع، ترجمة: أحمد حسان 2011، سنة الأحلام الخطيرة، ترجمة: أمير زكي 2011، الفلسفة في الحاضر، ترجمة: يزن الحاج 2013 (ألفه بالاشتراك مع الفيلسوف ألان باديو)، بداية كمأساة وأخرى كمهزلة، ترجمة: أماني لازار 2015، تراجيدية في البداية هزلية في النهاية، ترجمة: غادة الإمام 2015.



الكتاب: القَبِيلة ودَوْلَة الإقطاع في المُجْتَمَع العَرَبِيّ الإسلامِيّ الوَسِيط.
المؤلف: د. الحبيب بن عبدالله سريوي.
الناشر: دار لوغوس، تونس، 2022م.

يبحث العمل في أصول الدولة العربية الإسلامية التي تأسّست في يثرب وتطوّرَت بناها وتوضّحت معالمها مع الخلفاء الراشدين والأمويّين، متسائلاً عن طبيعة السلطة التي أضحت تتنازعها عصبيّة قبليّة، وكيف حاولت التكيُّف مع التطوّر السياسي والاجتماعي، وعن دور النُّخَب في تأويل النص الديني ليتوافق مع الواقع التاريخي للمجتمع والدولة، وفي تشكيل آليات الهيمنة السياسية والأيديولوجية وترسيخ آليات الحكم القائم.
في إطار مُواصلة البَحث في مُستويات الطراز القبليّ لِنَمط الإنتاج الإقطاعيّ الذي نراه قد وسم المجتمع العربيّ الإسلاميّ في أولى حقبه الوسيطة، وفي إطار الوقوف على مدى توافُق المُستويين السياسيّ والأيديولوجيّ مع المستوى الاقتصاديّ- الاجتماعيّ في هذا الطوْر القَبَلِيّ لنمط الإنتاج الإقطاعي نُقَدّم هذا الكتاب الذي نحرص مِن خلاله على البحث في أصول الدولة العربيّة الإسلاميّة التي وضع مشروعَ نُويّات مؤسّساتها مُحمّد بن عبدالله -عليه الصلاة والسلام- في يثرب وتطوّرت بنياتها وتوضّحت معالمها مع الرَاشدين والأُمَويّين. فكيف كانت طبيعة السلطة التي أضحت حتّى نهاية العصر الأُمويّ تتنازعها عصبيّة قبليّة متأصّلة في بنية المجتمع ونزعة دينيّة مُستجدّة؟ وكيف كانت تُحاول التكيّف مع مرحلة التطوّر السياسيّ والاجتماعيّ في ظلّ هذا الطور القبليّ للنظام الإقطاعيّ؟ وما هو دور النُخب السياسيّة والفكريّة الدينيّة في تأويل النصّ قُرآناً وحَدِيثاً ليتوافق مع الواقع التاريخيّ للمجتمع والدَوْلة وفي تشكيل آليّات الهيمنة السياسيّة والأيديولوجيّة، ومن ثَمَّ ترسيخ آليّات الحكم القائم على الطابع القبليّ المُؤيِّد دينيّاً وترسيخ آليّات التحكّم والهيمنة في العلاقات الاجتماعيّة وعلاقات الإنتاج داخل المجتمع العربيّ الإسلاميّ بآسيا الغربيّة في العَصر الوَسِيط؟
ترافقت عمليّة تولّد نمط الإنتاج الإقطاعيّ الذي وسم المجتمع العربيّ الإسلاميّ في العصر الوسيط وفي أوّل طُرزه الثلاثة الطراز القبليّ، مع ظهور الإسلام وبداية توضّح معالم المستويين السياسيّ والأيديولوجيّ المتوافقين مع ملامح المستوى الاقتصاديّ والاجتماعيّ لنمط الإنتاج هذا، وسيعكسان بنية الدولة التي بدأت نُويّاتها تتشكّل في يثرب.
ويمكن العودة بأصول الدولة العربيّة الإسلاميّة وظروف نشأتها في بدايات القرن السابع للميلاد إلى أواسط القرن الخامس على الأقلّ عندما بدأت مكّة بخاصّة والحجاز بعامّة تشهد تحوّلات كبرى ارتبطت لحدّ ما مع بداية ظهور قُريش كمُتّحد قبليّ على يد قُصيّ بن كِلاب. وقد أفرزت قُريش ملأً كان فاعلاً على المستويات الاجتماعيّة والسياسيّة والتجاريّة والدينيّة تمكّنت ثُلّة من شيوخه الحكماء بدءاً من عبدمَناف بن قُصيّ، ومروراً بهاشم بن عبدمَناف، ووصولاً إلى عبدالمُطّلب بن هاشم من استكمال المشروع الذي استهلّه قُصيّ حتّى غدت مكّة مع مرور الوقت مركزاً لتراكم الثروة النقديّة زيادة على تصييرها المِحجّ الأوّل في بلاد العرب.
وقد أفضت هذه التحوّلات إلى بلوغ البنية الاقتصاديّة والاجتماعيّة مرحلة متقدّمة من النُضج، الأمر الّذي أدخل المجتمع الحجازيّ في تناقضات متعدّدة وانقسام مركّب وحادّ، فإلى جانب تزايد حدّة التنافر بين مكوّناته القبليّة، الحضريّة والبدويّة، أضحت في الوقت ذاته الفروقات الاقتصاديّة والاجتماعيّة منذ زمن بعيد بين أملاء القبائل وعوامّها ومواليها على أشدّها، كما توسّعت ظاهرة الحركة الدينيّة التوحيديّة الّتي كانت تبشّر بقرب ظهور النبيّ المُنقذ والدين الهادي إلى الصراط المستقيم. ولمّا كان المجتمع القبليّ في مكّة وفي الحجاز، وعلى غرار المجتمعات القبليّة في وسط شبه الجزيرة بعامّة، لا يمتلك أيّ وسيلة للقسر غير الرأي العامّ، فقد بات عاجزاً عن تضييق الهوّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة بين أبناء القبيلة الواحدة كما بات عاجزاً عن رأب الصدع بين الحضر والبدو والتأليف بين نمطي العيش المتباينين.



الكتاب: الذات والمجتمع دراسة في الأنساق الثقافية في شعر أمل دنقل.
المؤلف: موج يوسف.
الناشر: أبجد للترجمة والنشر والتوزيع، العراق، 2022.

الشاعر المصري أمل دنقل يعد من أبرز الشعراء الذين لم ينصاعوا للسلطة، ولم ينساقوا وراء السائد الشعبي والذائقة الجمالية الجمعية، الأمر الذي دفع مجموعاته الشعرية إلى فضاء التمرد على الثوابت والتحرر من القيود الفنية والاجتماعية والسياسية والأيديولوجية، بينما كانت قصائده لسان شعبه وأمته العربية، ومازال صداها يتردد إلى اليوم في المظاهرات الشعبية وللتعبير عن المواقف التحررية.
تعود الناقدة إلى نشأة الشعر العربي منذ بدايات الإسلام لرصد ظاهرة الذات والمجتمع في الشعرية العربية، وما مرت به من تحولات لتصل إلى الشعر العربي الحديث وتحديداً إلى أمل دنقل.
وقالت الباحثة والناقدة العراقية موج يوسف التي غاصت في دراسة الأنساق الإنسانية واتخذت من أشعار أمل دنقل نموذجاً لدراستها: «إن عتبة الشعر العربي تلوّنت ولم تُصبغ بلون واحد، وإن الإسلام جاء وغير المجتمع وعاداته، وجعل أيديولوجيته تدس نفسها في الشعر، فغابت الأنا والذات، وانتقلت (نحن) من القبلية إلى الإسلامية».
وبحسب الدراسة، غلب على الشعر في بداية الإسلام أنه «مؤدلج، لا فنية عالية فيه، واحتفى بالتقريرية، بينما الشعراء المخضرمون بقي شعرهم محتفظاً بأنفاسه الإبداعية، لكنه بالمقابل غائب عن الذاتية والأنا».
وأضافت الباحثة في دراستها أنه ما إن توسعت رقعة الإسلام، حتى لعب الشعر دوراً اجتماعياً مهماً، وهذا ما نجده في مرحلة الجهاد في زمن الخليفة الثاني.
ورأت أن «الشعر العربي تناول علاقة الذات بالآخر حبيباً وبالآخر معيقاً، علاقة متبادلة بين النقيضين، وانطلاقاً من ذلك، فإن اختلاف الآخر يأتي من اختلاف الذات فيه، مما يشير إلى أن صورة الآخر على هذا الأساس هي عبارة عن مركب من السمات الاجتماعية والنفسية والفكرية والسلوكية التي ينسبها فرد أو جماعة إلى الآخرين الذين هم خارجها».
وطبقاً للدراسة، كان الشعر العربي أحد أقطاب الانقسام التي تخلفها الذات مع الآخر (فشخصية الشحاذ والكاذب من جهة وشخصية الفرد المتوحد ذي الأنا المتضخمة النافية للآخر، صارت من السمات في الخطاب الشعري، ومنه تسربت إلى خطابات أخرى، ومن ثم صارت نموذجاً سلوكياً ثقافياً يعاد إنتاجه بما أنه نسق منغرس في الوجدان الثقافي).
وأكدت الباحثة والناقدة موج يوسف في دراستها أنه «ليس بالإمكان أن نفصل الذات عن الآخر، لأن استدعاء الآخر يساعد على استدعاء الذات وبالعكس، ويمكن للآخر أن يتحدد على المستوى الاجتماعي ليبصر من يختلف عن لونه أو دينه أو اهتمامه».
وأضافت «يمكننا القول إن مفهوم الآخر ينطوي في الغالب على فهم جوهري للذات، بمعنى أن الذات هي التي تحدد آخَرَهَا، وترى نفسها هي الأساس الذي تصدر عنه المعايير التي يمكن عن طريقها تحديد من هو الآخر».
وبحسب الدراسة «اختلف حضور الآخر في الشعر العربي قديماً وحديثاً، وكان يرد بصور متعددة، فقد يأتي إنساناً أو حيواناً، لوناً أسود أو أبيض، أو عربياً أو أعجمياً، أو حاكماً وغيرها».
وتناولت الباحثة والناقدة العراقية بالدراسة والبحث حضور الآخر في شعر أمل دنقل، وتوصلت إلى أن الآخر حاضر بشكل مكثف في قصائده، وأنه كان صاحب الفاعلية في المواقف الإيجابية والسلبية، وأعطى موقفاً حاداً للشعر الثوري.
وخلصت الدراسة إلى أن الشاعر أمل دنقل كان يحمل مرجعية ثقافية، الحضور الكبير فيها للدين والأسطورة والتاريخ والأدب والتراث العربي القديم والغربي أيضاً، فكانت هذه المرجعيات في أغلب نصوص دنقل عبارة عن رموز استعملها الشاعر ليعبر عن موقف معين.

ذو صلة
التعليقات