مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

الشعراء.. وهبوب العصر (8)

الشعراء ليسوا نزواً من مجتمع متكامل، غير أنهم أكثر حساسية، فقلوبهم تغلي، وعقولهم تفوح معاناة، ولأنهم كذلك فإن هبوب العصر تأخذهم يمنة ويسرة،
فهم بين صابر،
ومهاجر،
وتائه لا يدري إلى أين؟
إن من أسوأ هبوب العصر -غير الفكرية- الحروب، وما تؤديه من خراب ودمار وتفريد، وأسوأ منها ما يعانيه المجتمع من فتن داخلية تقضي على الأخضر واليابس.
إن هبوب العصر وما تسببه من (معاناة) تتمثل بصورة خاصة في شعر الشاعر الفلسطيني الذي عانى وما يزال يعاني من ويلات التشريد بحكم تسلط فيروس قاتل على أرضه، قال مريد البرغوثي في قصيدة (طال الشتات):
طال الشتات وعافت خطونا المدن
وأنت تمعن بعداً أيها الوطن
كأن عشقك ركض نحو تهلكة
ونحن نركض، لا نبغي ولا نهن
يقول من لم يجرب ما نكابده
كأن أجملهم بالموت قد فتنوا
ولو حكى الموت بالفصحى لصاح بنا
كفى ازدحاماً على كفي واتزنوا
أشواقنا إن طواها الصدر بادية
وقهرنا في فم البارود مختزن
لك اتجهنا وموج الحلم بادية
فبعثرتنا على أمواجها السفن
ارجع فديتُك إن قبراً وإن سكناً
فدونك الأرض لا قبر ولا كفن
فالشاعر هنا يسجل معاناته- بل معاناة كل من فقد أرضه، وعانى من البعد والعيش بعيداً بجسمه لا بروحه، فهو إن عاش بعيداً فإن أرضه تعيش في فكره وبين جوانحه، لا تبرح عنه ولو للحظة واحدة:
المعاناة بادية،
وشرحها لن يصل إلى خاتمة..
فالجرح عميق،
والبعد مؤلم،
والفرقة محزنة.
الوطن غال،
والإنسان بلا وطن يعيش في قفر خال،
لا أنيس ولا جليس،
يفكر ويقرأ، ولكن لا صدى،
العواطف تتصارع مع بعضها،
تسيح الدموع بلا قارعة تحبسها،
ويزيد النشيج، المعاناة تطول،
والحكاية لا تنتهي..
تلك معاناة دائمة، ولا أمل إلا في رب الكون عساه يقضي بجمع الشتات، فيعود المحب لأرضه ولأناسه، وكأن حالهم مثل حال (ابن زيدون) ذلكم الشاعر الأندلسي الذي قال عن معاناته وبعده عن محبوبته:
حالت لفقدكم أيامنا، فغدت
سوداً، وكانت بكم بيضاً ليالينا.


- انظر: تعليق (صدوق نور الدين) على هذا النص في كتاب (النص والتأويل) صفحة 30 وما بعدها، وقد صدر ضمن سلسلة (الرافد).ع130، نوفمبر 2018م.

ذو صلة
التعليقات