مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

صباح يتنفس

نهض تجره رجلاه إلى باب الحمام بعينين نصف مغمضتين، تحلق فوقهما سحابة نوم عميق. ابتلعه باب الحمام وتلقفته يد الصنبور، بلل وجهه النائم ليفتح عينيه أمام المرآة التي اعتلت ظهر الصنبور، همست له شفتاه: ملامحك ليست بخير، أرق يستلقي على الجفون وسواد يعتليهما، زرقة تحوم حول الشفتين وعضة بعوض لعين تستقر بين الحاجبين...
اللعنة متى كانت آخر مرة رأى فيها وجهه بدون ندوب ولا علامات؟
أغلق الصنبور وخرج متعثراً بقطته الصغيرة أمام الباب..
-ابتعدي أنت الأخرى...
رمقته بعينين جاحظتين غاضبتين وصبَّت عليه اللعنة بموائها الخافت، ثم قفزت نحو ركبته لتحدث خدوشاً بها، أبعدها منه وهو يحاول أن يضيق خناق ربطة عنقه التي التوت على رقبته كأفعى تخرج لسانها الطويل السام، لتضعه على صدره ممدّداً على القميص، بدا له أنه في كامل أناقته بعد أن أحكمت ربطة العنق خناقها عليه. التفت يميناً ليجد حذاءه فاغراً فاه وقد تآكلت شفتاه واعتلاه غبار أشعث، مدَّ يده الطويلة إلى منديل وُضِعَ على سطح المائدة دون مبالاة، وحمله بتثاقل يمرِّره على فم الحذاء في صمت عميق، وهو يشعر بأن جلده يتساقط إرباً إرباً، حمله بيديه واقترب بفمه وهو ينفث أنفاسه الصباحية في وجه الحذاء، تأفف الحذاءُ من فعلة الرجل وعطس بكل ما أوتي من جلد مغبر ليتطاير فتاته في الهواء، ألقى الرجل بالحذاء من يده ليرتطم بالأرض محدثاً صوت ألم انكسرت معه فقرات العمود الفقري للحذاء... أدخل رجله الضخمة صاحبة الأربعة والأربعين في فوهة الحذاء، مردداً بصوت متهدج:
-منتوجات الصين كذبة وضياع مال...
علّق الحذاء في قرارة نفسه فقد تحجر الكلام في حلقه وفاض الصَّمغ معاتباً إياه.
تأبط محفظته الجلدية المهترئة، ومرّر يده على مقدمة شعر رأسه، نزل الدرج المؤدي إلى باب العمارة وروائح نتنة تزكم أنفه الطويل الحاد، ألقى تحية مبعثرة على بواب العمارة، وأخذ يهرول في الشارع كالمجنون ليلحق بالحافلة الأخيرة، يجري ويلهث وتلهثُ معه ربطة العنق جيئة وذهاباً، وحذاؤه الجلدي يتأفف من هرولته ويفسح المجال للأصبعين الصغيرين من القدم لالتقاط بعض حبات الهواء الممزوجة بدخان السيارات وإلقاء نظرة خاطفة على زحمة المرور. اعتلتهما مسحة سواد فعانق أحدهما الآخر واستحالا أصبعاً واحداً مدبّب الوجه، مكفهرَّ الملامح تكاد لا تميز بينه وبين الطريق المزفت...
صعد الحافلة وقد تحول منظره الأنيق إلى رجل مبعثر الملامح والملابس، فشفتاه تدلتا حتى وصلتا ذقنه، أمّا عيناه فقد انسكبتا على الخدين، بينما لسانه خرج لاهثاً ورمى بنفسه على عنق الرجل حتى كاد يلامس ربطة العنق. وضع جسده موارباً بين أجساد ميكانيكية لأشخاص يحكمون قبضتهم في سقف الحافلة، همس لأناه المهشَّمة بداخله، وعيناه تطوي الوجوه العابسة لركاب الحافلة طيّا:
-أكسرة الخبز تتطلب كل هذا العناء؟
فغر الركاب أفواههم للإجابة، لكنها تلاشت مع غبار المكان واستحالت ضباباً كثيفاً تبخر من ثقب سقف الحافلة صاعداً نحو السّماء.

ذو صلة
التعليقات