مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

الافتتاحية

تثير مسألة القيم جدلاً لا نهاية له، بدءاً بتأطير حدود المصطلح ودلالته، مروراً بما هو قيمي وما ليس كذلك، وانتهاء بالسلوك أو الممارسة القيمية من خلافها. ولهذا دائماً ما تأخذ المسائل المعنوية القائمة على المعاني والرمزيات مثل مسألة القيم، اتفاقاً عاماً، تتناغم من خلاله الممارسات ليتحقق شكل من التصالح والانسجام بين الناس والشعوب والحضارات، ضمن سياقات تُفهم أكثر مما تُكتب أو تُحدد بدقة، في حين يحدث الإشكال والخلاف والاختلاف حين يهتز ذلك الجسر من الفهم المشترك، لتبدأ معارك الانتصار للقيمة وللرمزية العميقة التي طالها الاعتداء أو التجاوز من طرف أو آخر.
التوصيف أعلاه يشخص على وجه الدقة الخلاف القيمي الرمزي والثقافي بين المنظومة القيمية من جهة، والمنظومة اللاقيمية من جهة أخرى، حدث ذلك عندما طال الاهتزاز جسر التناغم بين الهوية الثقافية القيمية التي تمثلها المنظومة الشرقية، في مقابل بعض القوى ومراكز القرار وصناعة الاتجاهات لدى المنظومة الثقافية الغربية في محاولة تعميم وتدويل ونشر ثقافة ترى ألا حدود لفكرة الحرية، حتى وإن تجاوزت مبادئ الفطرة الإنسانية السوية.
المواجهة لرفض هذا التوجه اللاقيمي، والساعي في الآن نفسه إلى استهداف المنظومات القيمية والثقافية للشعوب والأمم الأخرى؛ تبلورت في شكل استهجان إعلامي وصحافي وفكري متعدد الجهات والثقافات، إلا أن المواجهة الفعلية تمثلت في الموقف السعودي الرسمي عبر مسارين: الأول اقتصادي، حيث صدرت توجيهات تقضي بسحب تصريح مزاولة النشاط في السوق السعودي من أي جهة أو شركة أو مؤسسة تروج للشذوذ أو أي معنى مخالف لقيم المملكة وهويتها وثقافتها العربية والإسلامية، الوسطية المعتدلة التي لا تطرف فيها ولا غلو ولا انحلال؛ المسار الثاني: السياسي، حينما نصَّ ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- في خطابه للرئيس بايدن وجمع من زعماء العالم خلال قمة استضافتها المملكة مؤخراً، بالقول: (... قيمنا النبيلة، التي نفتخر بها ولن نتخلى عنها ونتمنى من العالم احترامها، كما نحترم القيم الأخرى بما يعزز شراكاتنا ويخدم منطقتنا والعالم)، ثم جاء تأكيد هذا الموقف عبر كلمة وزير الخارجية السعودي خلال القمة العربية في الجزائر التي حضرها نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله، وذلك بحضور الرئيس الفرنسي: (نؤكد هنا على اعتزازنا بقيمنا المستقاة من شريعتنا الإسلامية السمحة ومن ثقافتنا العربية الأصيلة، والتي لن نتنازل عنها ولن نسمح للآخرين بفرض قيمهم علينا. وبما أننا نحترم قيم وثقافات الآخرين، فإننا نأمل أن يحترم الآخرون ذلك).
هذه المواجهة تكشف عمق الخلل وشدة الخطر، ما يُحتم تحركاً عالمياً منظماً لمواجهة تغول انعدام القيم، الذي تسعى الأطراف التحررية غير المنضبطة إلى تدويله وتعميمه، دون أي اعتبار لقيم الشعوب وهوية الأمم وحق الآخر، أياً كان، في الاحتفاظ بالمعاني الرمزية العميقة لديه والعزيزة إليه، والتي سيكون على استعداد كامل للدفاع عنها والتحذير من الاقتراب منها.
فأهلاً بكم إلى القيم الرمزية العميقة.

ذو صلة
التعليقات