مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

الأطفال الموهوبون

امتلأت رفوف الكتب بالمؤلفات التي تتناول الحاسة السادسة، والتخاطر، والتنويم المغناطيسي، وظواهر الإدراك فوق الحسي، والبصيرة، والتنبؤ أو المعرفة المسبقة، وتأثير الفكر في المادة، والقدرات النفسية الخارقة، والأرواحية، والأشباح، وكل ما يندرج تحت مصطلح الباراسيكولوجي Parapsychology والذي اقترح وجيه أسعد تسمية عربية للمصطلح، هي: علم النفس المقارب أو السيكولوجيا المقاربة، وترجمته (الويكيبيديا) بعلم النفس الموازي أو ما وراء علم النفس. وماتزال حتى يومنا هذا تنشر الكتب تباعاً في العالم حول جوانب إشكالية الميتافيزياء Metaphysics هذه، ولا أجوبة يقينية مؤكدة حول ألغازها الخارقة للطبيعة، على رغم توثيق بعض الوقائع غير العادية والغريبة التي ليس لها تفسير علمي.

تطور العلم وارتقاؤه في المستقبل
كل هذه الظواهر المذكورة آنفاً ستكون قابلة للفهم بوساطة التقدم التكنولوجي المستقبلي الهائل والطموح، وقابلة أيضاً للتداول.
يكتب المفكر (يوفال هراري) المفرط في تفاؤله بقدرات العلم على حل ألغاز دارات الدماغ العصبية، وإعادة كتابة الشفرة الوراثية بالكامل: (سوف تذهب الهندسة السايبورغية *Cyborg إلى أبعد من ذلك، وستدمج الجسم العضوي بأجهزة غير عضوية، مثل أيدي إلكترونية، أو عيون اصطناعية، أو ملايين الروبوتات النانوية التي ستنتقل داخل أوعيتنا الدموية وتشخص المشاكل وتصلح الأضرار. قد يفكر المرء أن هذا من الخيال العلمي، لكنه في الواقع حقيقة واقعة. لقد تعلمت القردة مؤخراً التحكم في اليدين والقدمين بمعزل عن أجسامها عن طريق الأقطاب الكهربائية المزروعة في أدمغتها. فمن خلال قوة التفكير وحدها يمكن للمرضى المصابين بالشلل تحريك الأطراف الإلكترونية أو تشغيل أجهزة الكمبيوتر).
إن الخط البياني الصاعد لارتقاء العلم خلال القرن المنصرم يسمح لنا بقبول كل الفرضيات المحتملة التي كانت تعد من الخرافات إلى عهد قريب! وإذا أخذنا في الحسبان القفزات التقانية المرعبة المتوفرة اليوم، بغض النظر عن مساوئها أو حسناتها، لابد لنا أن نتعاطف قليلاً مع أطروحات (هراري) الثورية.
الأطفال الموهوبون
موضوعنا لا يجادل هذه الأطروحات والفرضيات النظرية السابقة، ولا يقف عند سمات الموهوب وروائزه ومعدلات ذكائه وبيئته، إنما يسوق مجموعة من الأفكار والتعريفات والأحكام التي تتناول الظواهر المتحققة والموثقة في المراجع الرصينة، ويذكر بعض الأسماء المبهرة، مع الاعتراف بأنها في المنظور العلمي الحالي ظواهر غير طبيعية وخارجة عن المألوف، خصوصاً منها التي تتعلق بالأطفال الموهوبين Gifted Children أو Talented Children وأتركها أمامكم للتأمل بين القبول والرفض.
من اللافت للنظر، أن (أفلاطون) رصد ظاهرة الطفل الموهوب، وأوصى في كتابه (الجمهورية) أن يجري اصطفاء الأطفال الموهوبين حتى في أسر الفلاحين والصناع والعناية بهم. وفي زمننا الحاضر، تحرص الدول على تجهيز فصول مدرسية خاصة للموهوبين. ونعرف جميعاً أسماء أطفال نوابغ وعباقرة في بيوتنا ومدارسنا وفي جيرتنا، وكذلك تمتلئ كتب تراثنا العربي والإسلامي بأخبار مثل هؤلاء الأطفال، وعلى سبيل المثال لا الحصر، الإمام (الشافعي) المشهور بسرعة الحفظ منذ طفولته الأولى، إذ حفظ القرآن قبل أن يكمل السنوات السبع من عمره.
الحَسَبة الصغار
تذكر الموسوعات مئات الأسماء من الحسبة الصغار، والمدهش أن بعضهم لم يتعلم القراءة والكتابة، ولم يدرسوا الرياضيات، والأكثر غرابة أن حاصل الذكاء (IQ) عند أفراد منهم أقل من المتوسط. وسأختار عينات من هؤلاء.
أولاً: حالة الأمريكي (زورا كولبرن) الذي ظهرت مواهبه الخاصة في الحساب منذ السادسة من عمره، وقد قدم براهين دامغة على قدراته الحسابية الاستثنائية كما ذكر العالم الفرنسي (رومي شوفان).
سُئل (كولبرن): ما العدد الذي إذا ضربناه بنفسه يعطي (99800)؟ وكان الجواب بتقريب قابل للإهمال خلال أربع ثوان (999). وسُئل: المسافة بين كونكورد وبوسطن 65 ميلاً، فكم خطوة في هذه المسافة إذا كانت الخطوة تساوي ثلاثة أقدام؟ وكان الجواب خلال عشر ثوان (114400). وحين كان (كولبرن) في الثامنة من العمر، رفع العدد 8 إلى القوة 16 بصورة ذهنية، وحصيلة الحساب كانت عدداً يتألف من خمس عشرة خانة (281474976710656). وسُئل عن الجذر التربيعي للعدد (106929)؟ وقبل إنهاء تسجيل العدد على السبورة أجاب (327). وقد كلفت أكاديمية العلوم عالم الرياضيات الشهير (بيير لابلاس) وآخرين بفحص الصبي لمعرفة أسلوبه في الحساب، ولكنه عجز في تفسير حالته. ومع هذا الحساب الذهني الخارق، كان (كولبرن) جاهلاً جداً في ذلك الحين، وما كان بإمكانه حتى أن ينجز كتابة عملية ضرب ولا قسمة. شيء غير معقول!
ثانياً: حالة الألماني الشهير (كارل غاوس Carl Friedrich Gauss) الذي كانت أعماله هي المدخل في دراستي العليا لنيل أطروحة الدكتوراه، إذ لا يمكن إجراء أي بحث علمي دون معرفة بمبادئ هذا العبقري في علم الإحصاء، والذي كانت طفولته تبشر بأنه يستحق لقب (أمير الرياضياتيين)، وقد وصف وقارن المؤرخون إنجازاته البارعة بإنجازات (إسحق نيوتن).
كان والد (غاوس) فقيراً لا يهتم بالتعليم والتربية، وحاول بكل الوسائل أن يمنع ابنه الصغير من التعلم، لكن موهبة الطفل الحسابية فرضت نفسها على الأب. ويروي (شوفان) حكاية لا تصدق عن (كارل) حين كان في السنة الثانية من العمر: (في أحد الأيام، كان الأب يباشر حساب أجر الفلاحين، في حين كان ابنه يراقبه. وفجأة، سمع الأب صغيره يقول: (بابا، الحساب غير صحيح، يجب أن يكون...)). وذكر الرقم الصحيح. وأي شخص، بطبيعة الحال، لم يكن قد علمه الحساب! واعترف (كارل غاوس) بعد أن بنى مجده العلمي وشهرته العريضة، أنه كان يعرف الحساب قبل أن يحسن الكلام.
في العاشرة من عمره، طلب المعلم من تلاميذ الصف أن يكتبوا جميع الأعداد من 1 إلى 100 وأن يجمعوها، ومع لحظات انتهاء المعلم من طرح المسألة، قال (كارل): ذلك قد تم، وكان الجواب: (50 * 101 = 5050). واعترف المعلم مذهولاً بأنه عاجز عن تعليم هذا الطفل شيئاً أكثر. وقرأت في مكان ما عنه، أو عن طفل آخر، كان يستطيع بنظرة واحدة تقدير مساحة أرض تضاريسها متنوعة بين سهل وتلال وأودية، وبقياس المساحة هندسياً يظهر تخمين الطفل صحيحاً! وهذه البدايات غير المفهومة وغير المعقولة، تنتهي في المآل أن يصبح (كارل غاوس) أكبر علماء الرياضيات في أوروبا.
ثالثاً: حالات أكيدة وتوثيقها المنهجي لا يداخله الشك، تملأ محركات البحث على جوجل لمن يشاء، وسنكتفي بذكر لمحات سريعة للمشاهير منهم والذين أظهروا بسن مبكرة ما يثير الدهشة والاستغراب.
الفيلسوف الألماني (غوتفريد فيلهيلم لايبنتز) أتقن قراءة اللاتينية بالإضافة إلى لغته الأم وهو في الثامنة، وأتقن كتابتها بشكل صحيح وهو في الثانية عشرة. الفيزيائي الفرنسي (أندريه ماري أمبير) تعلم الحساب وهو في الثالثة من العمر بمفرده بواسطة الحصى الصغيرة، والحصى باللغة الإنجليزية هي Calculus وتعني أيضاً الحساب والعد. أما الأيرلندي (وليم روان هاملتون) فقد كانت طفولته أكثر طرافة، إذ كان يقرأ التوراة بيسر في الثالثة من العمر، وأتقن معرفة جغرافية بلاده جيداً وهو في سن الرابعة، ويقرأ الكتب بسرعة وهي معروضة أمامه بالمقلوب، وفي الخامسة من العمر كان يقرأ اللاتينية واليونانية والعبرية، ومن السابعة حتى التاسعة صار يعرف اللغات الإيطالية والفرنسية والسنسسكريتية والهندوستانية والمالاوية والمهراتية والبنغالية وبدأ دراسة الصينية. وفي ميادين الفنون والموسيقى تذكر الكتب معجزات فعلها (موزارت ووهايدن وشوبان)، إذ إنهم عزفوا وألفوا قبل إتقان الكلام. ويبدو أن موهبة الرسم الفطرية لدى الأطفال ليست نادرة جداً، و(بيكاسو) رسم قبل أن يتكلم. والباب واسع لإضافة أسماء موهوبين صغار في شتى ميادين الأدب المعرفة والثقافة والألعاب والشطرنج.
إن الدراسات التي تتناول سيرة حياة الموهوب لا تهمل عنصراً مهماً كان هامشياً، بدءاً من حاصل الذكاء، إلى وزن الدماغ، إلى البيئة الحاضنة والتعليم، دون نسيان الجينات والعوامل الوراثية، وانتهاء بحشر شريحة الموهوبين الخارقين في عالم الأرواحية والميتافيزياء والباراسيكولوجي والحدس والحاسة السادسة والتخاطر والغموض غير القابل للإدراك، كما أسلفنا في المقدمة، ولا مناص في الكتابة عن هذا الموضوع سوى الإقرار بقبول كل الاحتمالات والقفز إلى التخمين.
إن العلوم العصبية الحديثة على رغم التقدم الهائل في فهم كيف يعمل (10 %) من دماغ الإنسان، فما زال فهم المساحة الخاملة منه (90 %) لغزاً، ومن المشروع حقاً أن نراهن على قدرة العلم في الخروج من متاهة جهل الإنسان لكل الظواهر النفسية الغريبة وغير المعقولة إلى إجابات منطقية وعاقلة ترتكز على الأدلة الحسية الملموسة.
الخاتمة
الرأي العام منقسم إلى ثلاثة اتجاهات حول هذا الموضوع:
الاتجاه الأول، لا يرى أصحابه من علماء وفلاسفة فائدة عملانية مفيدة من صرف الأبحاث والجهود لدراسة أمور غيبية معقدة تند عن التجربة والقياس الموضوعيين، والأحرى بنا البحث عن حلول لمشاكل إنسانية مضنية مثل الجوع والفقر والمرض والأوبئة والتلوث والاحترار والحرب.
والاتجاه الثاني يتبنى أفراده بالكامل كافة الظواهر الباراسيكولوجية وكافة أشكالها وتجلياتها.
ومن هؤلاء الذين قرأت لهم على سبيل المثال لا الحصر، (جيني راندلز)، التي تجزم وتعتقد (بحقيقة وجود وتأثير الحاسة السادسة، أو ما يطلق عليه علمياً الإدراك الحسي الخارج عن نطاق الحواس، قائم الآن على نطاق واسع). وكذلك (شيلا أوستراندر) وشريكتها (لين شرودر)، وكتابهما (يقدم برهاناً وتفسيراً عقلانيين وعلميين معاً لكل ما جرت العادة على تصنيفه حتى الآن في عداد الظاهرات الغيبية والشعوذات اللاعقلانية). ويقر (محمد عبدالهادي حيدر) بمقولة وجود (ظاهرة الإدراك خارج الحواس، ووجود قوى روحية لا تنتمي إلى الجسد المادي للإنسان. وإن ما توافر من معطيات بات يسمح بالإجابة عن كل الأسئلة المتعلقة بالروح بسداد لا يقل عن سداد العلوم الرياضية).
ويؤمن كاتب هذا المقال باتجاه رابع يقبل بالثلاثة أعلاه، ليس بسبب (اللاأدرية) أبداً، ولكن لأنني أدري تماماً أن التوجهات الثلاثة معاً تشكل منصة واحدة لدفع العلم إلى الأمام، إذ إن تاريخ وفلسفة العلم يقولان، إن الأخطاء العلمية وانحيازاتها وانحرافاتها عن الصواب، تشكل خطوة ناجعة للوصول إلى النهاية الصحيحة واليقين الثابت.

ذو صلة
التعليقات