مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

دعوة للتساؤل وحرية التعجب في فضاء الواقع

تمر مجتمعاتنا العربية بموجة من المراجعات الأصولية للكثير من المسلمات، التي حبست حرية العقل عن التساؤل الحر حول مضامينها وجدواها، وقمعت (شهوة) التعجب في رحابة العقل، قبل أن تمنعها في فضاء المجتمع. وإذا كان من فضل يمكن أن ينسب لانتفاضات ما يسمى بـ(الربيع العربي) يخفف من بعض آثاره الكارثية على المجتمعات، التي خَبِرَتْهُ، فهو قدرتها على التعجب، والاستفادة من انفتاح العقل على مشروعية السؤال، وما العودة المضطردة لتضمين الفلسفة في مناهج المدارس، في أكثر من بلدٍ عربيٍ، إلا ترجمة لإلحاح هذا السؤال، الذي يُنَقِّب عن جذور الأزمة، ويعاين الأسباب، ويُعَيِّن الشروط الممهدة للمعالجات، وفق مقتضيات الخصوصية، ومن دون قطيعة مع ضرورات التكامل مع عالم (يتعولم) بأسرع مما تستطيع أن تقيده إجراءات حماية، أو تأشيرات سماح.
ويُعتقد على نطاق واسع أن التساؤل أمر جيد، طالما أشدنا بالكثيرين من الذين أطلقوا العنان لنظرهم لرؤية الكون ببصيرة القلب والعقل معاً، في محاولات جادة للظفر بالمعرفة المكنونة في أصول الطبيعة ومجاهل الكون. فنحن عندما نزرع بذرة الفضول في وعي الأطفال الصغار نستهدف حشد اهتمامهم بأن مجال حركتهم هو درس الحياة الأول، وما مشاهداتهم إلا تفاصيل هذه الدرس، التي تتوسع وتتكاثف كلما امتدت مساحة المجال وتنوعت موجوداته. وغالباً ما نذكرهم بأن الفضول قد ترتبط به متعلقات الرهبة، التي تمثل كل منهما جوانب مميزة للعجب، وتلهم حماس الأطفال للعلم، وتشكلان، كما تقول ليزا سيديريس، في كتابها (تكريس العلم: العجائب والمعرفة والعالم الطبيعي)، الصادر عن جامعة كاليفورنيا عام 2017، جزءاً لا يتجزأ من تقدم المعرفة الإنسانية. ومع ذلك، وعلى الرغم من كل الثناء، الذي يحظى به هذا، فقد قوبل منذ فترة طويلة في تاريخنا بمنتقدين يرفضون علو الصوت على المواضعات المألوفة، أو ما نصطلح عليه هنا بالمسلمات.
تهافت واستهتار
قطعاً ما كان يجوز لي استخدام هاتين المفردتين، تهافت واستهتار، لولا أنهما شكلتا عناوين بارزة في معارك النص المقدس مع السؤال الحر، أو بعض حوارات القطيعة بين الدين والفلسفة. ولم ينج من هذه القطيعة الإسلام ولا المسيحية. ومثلما اعترض الكثيرون على منهج المعتزلة، وغيرهم من الفلاسفة، في التساؤل الحر عن هذه المسلمات، التي أجازها البعض على أساس أنها من ثوابت المعرفة الدينية، وصلت حد وصف الإمام أبو حامد الغزالي للتفلسف الرشدي، أو اجتهادات ابن رشد، بـ(التهافت)، اتخذ غالب اللاهوتيين في الغرب وجهة نظر (مغالية) من التساؤل، أو (الدهشة)، والتي يعبر عنها على أنها فضول، ووصفوها بأنها عقلانية (مستهترة)، وأدانوا ميل الفلاسفة إلى التعدي على المعرفة الراسخة، أو (المحرمة)، التي يحرسها النص المقدس. وفي رأي سيديريس، يعتبر أوغسطينوس، عالم اللاهوت من القرن الخامس، والذي سيطرت آراؤه حول الفضول على الفكر الأوروبي لعدة قرون. إن الفلسفة، أو (الدهشة)، رذيلة مغرورة تنفخ بفخر في مظان الانحراف. وكان الفضول تحريفاً للشهية الفكرية بسبب اندفاعه للاستحواذ على العقل الإنساني، واستيعاب مُثُلِهِ القيمية، والهيمنة المادية عليها، فجاء اتفاق الغزالي مع أوغسطينوس، مع اختلاف درجة بين مفردتي (تهافت) و(استهتار).
ورغم ما سمعناه من اعتراف صريح لبابا الفاتيكان السابق بنديكتوس السادس عشر من اعتراف صريح بفضل الفلسفة الهيلينية على عقلانية المسيحية، يقول اللاهوتيون إنه في حين أن السؤال والدهشة يُعيدان المعرفة الجديدة بشكل موثوق، فإن مدى الفضول يتجاوز دائماً قبضته على التملك، مما يجعل المتعجب يشعر بعدم الرضا الأبدي. والغريب اعترافهم أن سعي الفضول إلى المعرفة مغلق وغير محدود، إذ هو مقيدٌ بتثبيته على شيء معين، لكنه لا نهاية له، لأن شهيته لا يمكن أن تُشبع. أما بالنسبة لأوغسطين، فإن الفضول الفخور يقف في طريق الاستفسار الفاضل المفتوح على كل الأشياء، بما في ذلك علاقة هذه الأشياء بالله. وكأني به يُريد أن يقول باختصار، إنه يمكن للفضول أن يصرف المتعجب عن الله، بينما يصنع إلهاً مادياً لنفسه، كما فعل الجاهليون في الجزيرة العربية، أو بعض أقوام آسيا في كل العصور.
إن الأمر في معارضة التساؤل لم ينحصر في عصبية بعض رجال الدين فقط، إذ أعرب غير قليل من الفلاسفة عن تناقض تجاه (التعجب)، واستنكر آخرون ضعف قيمة (الدهشة)، واستسخف غير واحد بـ(الفضول) أيضاً، وعدوا كل هذه المحفزات للتساؤل كأدوات بدائية للمعرفة. ففي القرن السابع عشر، استخف فرانسيس بيكون بالدهشة باعتبارها شكلاً من أشكال المعرفة المحطمة، (لا شيء سوى قطع التأمل، أو فقدان نفسه)، فهي بدلاً من نقل المتعجب إلى التفسير، يمكن أن يؤدي الإفراط في التساؤل إلى الذهول، وإطالة أمد ظروف الجهل، التي تؤدي إلى استدامة الاستفسار عن الأزمة بدلاً من علاجها. لذلك، فإن المخاوف بشأن نوعية التخدير، الذي تُحدِثُهُ العجائب هو قدرتها على إحداث دهشة منفتحة، تلمح إلى نوعية الرهبة، التي تثير الفضول أحياناً بغير ضابط منهجي. فإذا كان من الممكن لوم الفضول لسعيه الضئيل لإيجاد حلول للألغاز، فإن الإفراط في الدهشة يمكن أن يبطئ العقل، ويؤدي إلى عدم الاستفسار في أي مكان، وعن أي شيء على الإطلاق.
يعتقد بيكون أن الفضول والذهول قد يكون مقبولاً عند التفكير في عظمة الله، التي لا مثيل لها، والتي لا يمكن للعلم أن يفهم أسرارها بالكامل. لكنها في أحسن الأحوال كانت غير لائقة، وفي أسوأ الأحوال كانت عبئاً جسيماً على العالم. وتتعارض هذه الهواجس مع التصور السائد والمنطقي بأن للعجب دوراً إيجابياً في عالم العلم وفي الحياة اليومية، من الناس العاديين، والمتدينين، أو غيرهم. فاليوم، غالباً ما يتم التذرع بالعجب كما لو كان معناه بَدَهَيَّاً، أو مفهوماً بشكل واضح. إن النظرة المنطقية لصلاح العجائب لها مزايا، ولكن من أجل قياس قيمتها، يجب أن نكون أكثر وضوحاً بشأن ماهية التعجب، ولمن، وحول ماذا، أو ما يمكن أن يكون جيداً، أو غير مرغوب فيه. وهذه ليست مهمة بسيطة، لأن مفاهيمنا الموروثة عن الدهشة قد تشكلت من خلال قرون من النقاش الديني والعلمي حول الأشكال المشروعة وغير المشروعة للمعرفة، وطبيعة تقسيم العمل بين العلم والدين. علاوة على ذلك، تشير كلمة (عجب) إلى أشياء مختلفة إلى حد كبير باختلاف الأشخاص. كما يتضح من الإشارات إلى الأطفال الصغار والعلماء المحترفين باعتبارهم حاملي معايير الدهشة المزعومة، فإن أوصاف العجب تمتد من تجارب الفرح العفوي البريء والرهبة إلى عادات فكرية مدربة تدريباً عالياً.
الرهبة والاستقرار
يمكن للعجائب أن تمارس قوة الرهبة المزعزعة للاستقرار، من دون تحميلها ذنب الشلل الذهني، الذي أزعج أمثال فرانسيس بيكون. ففي عصرنا، ألقى العجب بالعديد من زخارفه الميتافيزيقية والأسطورية، لكن هالة من شيء روحي لا تزال تغلفه بقدسية المعنى المتعالي على تجارب العلم. فقد ظهرت برامج بحثية كاملة حول التساؤل والرهبة، حيث يسعى الباحثون إلى فهم متى وكيف يختبر الناس هذه الحالات، وماذا قد تكون العواقب. ويعتبر العديد من الباحثين اليوم أن الرهبة هي المصطلح الرئيس للاهتمام والدراسة التجريبية، التي تدور حولها مجموعة من الاستجابات ذات الصلة، والتي نسميها التعجب، أو الفضول. وقد لا يستدعي الاختلاف مع هذا الفهم اعتراضاً، لكني أعتقد أن العجب هو التصنيف الشامل، الذي يتحول إلى دهشة طفولية في أحد طرفي الطيف، ويظهر الرهبة الموقرة، وحتى المرعبة، في الطرف الآخر.
إن العجب، الذي يظل مفتوحاً للغموض وعدم اليقين، من دون التخلي عن المعرفة والتفسير، يجسد ما هو جيد في التعجب. وهذا النوع من العجائب، كما أجادل، هو، الذي يستحق الإعجاب والتثقيف، أي التهذيب. ويمكن لمثل هذه الأعجوبة أن تمارس قوة الرهبة المزعزعة للاستقرار، دون الشلل المخدر للعقل، الذي أزعج بيكون بشدة. ففي تعليق هذا الادعاء، تؤكد سيديريس عناصر النقد الأوغسطيني لانشغال الفضول الضيق بأهدافه المباشرة، على الرغم من عدم الالتزامات اللاهوتية العلنية، التي حركت نبذ أوغسطين القاسي للفضول. ويُحسب الفضول، في هذه الحالة، إلى أنه يضفي على التساؤل بُعداً نشطاً، وهزة من الطاقة المركزة، التي توجه الاستقصاء نحو التفسير. لكن المعرفة، التي يسترشد بها الفضول فقط هي مثل الكلب، الذي يطارد ذيله إلى ما لا نهاية، غير قادر على التوقف وتقييم قيمة سعيه، والتأثيرات المحتملة على العالم الأوسع. وإذا تُرك الفضول إلى أجهزته الخاصة، فمن المحتمل أن ينتقل إلى ما يمكن تسميته بالأعجوبة التسلسلية، أو الشكل المزيف للعجائب، الذي ينتقل بفارغ الصبر من كائن إلى آخر، ولا يسكن لفترة طويلة بمجرد استبدال اللغز بمعرفة آمنة، ويستأنف الناس رؤية شكل مألوف من العالم.
لهذا، إذا كانت الرهبة هي بُعد العجب، الذي يجعلها مفتوحة للغموض، أو عدم اليقين، فكيف يتم إنجاز أي عمل فذ؟ وكيف تساهم الرهبة في صلاح العجب؟ فالرهبة تنفجر في وجود الظواهر، التي تم اختبارها على أنها واسعة جداً، أو ساحقة، أو غير مفهومة. وغالباً ما تطلق عملية تعديل، وتكييف الجهاز العقلي للفرد للتجربة، أو الكيان، الذي أثار الاستجابة المرعبة. ويمكن أن يكون التأقلم صعباً، بل مؤلماً، إذ تُشير الدراسات التجريبية إلى أنه عندما تحدث هذه العملية، فإن النتيجة ليست مجرد عودة إلى الوضع الراهن، بل تحول في منظور المرء للأشياء من حوله. وترتبط الإمكانات الأخلاقية الإيجابية للعجائب المرعبة بقدرتها على زعزعة المتعجّب، وتقويض دفاعات الأنا، حتى تتمكن من رؤية العالم ومكانها فيه بشكل مختلف. رغم أن هناك تمييزاً دقيقاً بين الرهبة قصيرة المدى الناتجة عن التجارب، و(نزعة) الرهبة، التي يعاني منها الأشخاص الذين أصبح الاندهاش عندهم أسلوباً معتاداً للتفاعل مع العالم.
الرهبة وطبيعة العلم
ترتبط الرهبة في التصرف بفهم متزايد لطبيعة العلم، إذ وُجِدَ في بعض الدراسات أن الرهبة قصيرة المدى تقلل من تحمل الغموض وعدم اليقين لدى بعض الأفراد. وهنا، يثير تأثير الرهبة المزعزعة للاستقرار آليات (تعويضية) تؤدي إلى التراجع عن اليقين، مما يدفع هؤلاء الأفراد إلى التعويض بالبحث عن الأمان في الدين. إذ إن اليقين في الدين، يعيد الإحساس بالحياة الطبيعية والتحكم في الالتزام، الذي أفسدته مؤقتاً تجربة سريعة الزوال من الرهبة. فالرهبة قصيرة العمر تنطوي على عدم ارتياح لما لا يفهمه الإنسان بسهولة، والحاجة إلى جعل ما هو غريب بشكل مقلق مألوفاً مرة أخرى. وعلى النقيض من ذلك، فإن الأفراد الذين يتحدثون بانتظام عن شعورهم بالرهبة، أو ما يمكن أن نسميه بـ(الرهبة المزاجية)، يُظهرون قدراً أكبر من التسامح مع الغموض وعدم اليقين. علاوة على ذلك، فإن الرهبة في التصرف مرتبطة بفهم متزايد لطبيعة العلم. ويشير هذا إلى أنه، على عكس مخاوف بيكون، يمكن أن يكون الشعور الدائم بالدهشة متسقاً تماماً مع السعي وراء المعرفة.
في الواقع، إن الانفتاح الشديد للرهبة، وقدرتها على مقاومة (الانغلاق المعرفي)، تجعلها ملائمة للممارسة العلمية، حيث القدرة على استيعاب النتائج الجديدة، ومراجعة، أو رفض المعتقدات القديمة، أمر بالغ الأهمية. فقد يكون للدراسات المعاصرة للرهبة والتساؤل صلة بكيفية إدراك البشر للطبيعة والعالم غير البشري، إذ تُشبه الرهبة في التصرف سرداً للإعجاب اقترحته رائدة البيئة (راشيل كارسون)، في ستينيات القرن الماضي، في كتابها الموسوم: (إحساس العجب)، الذي صدر عام 1965، ودافعت فيه عن شكل من أشكال العجائب (غير القابلة للتغيير لدرجة أنها ستستمر طوال الحياة). والعجائب من هذا النوع متاحة ليس فقط للعلماء، ولكن لجميع الراغبين في وضع أنفسهم (تحت تأثير الأرض والبحر والسماء وحياتها المذهلة). فالشعور بالدهشة، الذي ينمو بمرور الوقت، بشكل مثالي، ولا يبدأ بالضرورة في الطفولة، يوفر ترياقاً قوياً للدوافع الخطرة للسيطرة على العالم الطبيعي، والتحكم فيه، لأنه كلما كنا أكثر انسجاماً مع عجائب الكون، قلت رغبتنا لتدمير جنسنا البشري.

ذو صلة
التعليقات