مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

المونودراما.. الفرد صورة الحياة

المسرح مرآة للحياة، بما يتيحه من حوار ومساءلة تعكس قلق الذات الإنسانية وشغفها وطموحها عبر الصراع الدرامي بين الشخصيات. وتطور النصوص المسرحية المتتالي انتقل إلى صراع الذات مع دواخلها النفسية، جسدته المونودراما باعتبارها خطاباً مستمراً من قبل شخص واحد. وتعبير مونودراما عبارة عن اجتماع كلمتين (مونو) وتعني وحيد ودراما هي الحكاية، وكلمة المونودراما Monodrama هي كلمة يونانية تنقسم إلى Mono وتعني (وحيد)، وDrama وتعني (الفعل)، أو solo play أي لعب منفرد عند الألمان، وتتناول في جانب كبير منها المسرح التجريبي، حالها في ذلك حال بقية أنواع فنون العرض. وهي عمل فني مسرحي كتب ليؤديه شخص واحد، وعلى الغالب يقوم هذا الشخص بكل جوانب العرض من كتابة وتمثيل وإخراج، لأن الممثل الوحيد يحاور ذاتاً مختبئة فيه وما يستلزمه الأمر من صوت وحركة وحوار، كما أنها تفرض توافر لياقة بدنية عالية، وقد يتطلب الأمر الرقص والقفز وتقليد الحركات، وهو يقترب بالمفهوم من المونولوج الدرامي، وهو خطاب موجه من شخصية إلى أخرى، إذ تتوجه الشخصية مباشرة إلى الجمهور أو أشخاص، أو تقول أفكارها بصوت عالٍ، وتتميز بقدرة على الإلقاء والتلاعب بالصوت بين خفوت النبرة وعلوها، وهي المسؤولة عن إيصال رسالة العمل.

تاريخ المونودراما
لا تعتبر المونودراما فناً جديداً، وإنما هي من أنواع فن العرض الدرامي، وانبعاث لنوع مسرحي ترجع أصوله إلى أيام الإغريق مع الولادة الأولية للمسرح، وقد تطور بداية عند اليونان عندما استقل عن الارتباط بالكهنة والمعابد الدينية والطقوس التعبدية، حيث عرف التاريخ أول ممثل وهو ثيسبيس Thespis المؤسس الأول له، وكان ممثلاً واحداً على عربة، وبعده جاء أسخيلوس ليضيف الجوقة إلى الفعل المسرحي، وبعده ظهرت عروض الجونجلرز Jongleurs لبعض الفرق الجوالة، إضافة لفن البانتومايم وهو عمل إيمائي يتضمن تقليد الحياة، ولعل حكايات القوالين وروايات القصاصين الشفهية هي إرهاصات هذا النوع من الفن. وقد قدم جان جاك روسو أول نص مونودرامي مكتمل الشروط وهو (بيجماليون) الغني عن التعريف الذي مازالت الفرق المسرحية تستحضر أجواءه وتستلهم من أفكاره إلى الزمن الحاضر، وبعدها تتابعت النصوص والعروض المونودرامية في العالم. وفي عالمنا العربي ظهرت تجلياته في إنشاء الرابطة الدولية للمونودراما التي ترأسها مؤخراً محمد سيف الأفخم، إلى جانب عضوية لفيف من الكتاب والمسرحيين من كافة أنحاء العالم، كما تميزت عروض مونودرامية مسرحية عدة قام بها كل من رفيق علي أحمد في لبنان وزيناتي قدسية في سوريا مكثفاً قدراته الفنية في نصوص المبدع الراحل ممدوح عدوان، وقد سبق لفواز الساجر أن ابتدأها في مسرحية (يوميات مجنون) المقتبسة عن عمل غوغول الأشهر.
الفرق بين المونولوج والمونودراما
المونولوج لحظة درامية أو حديث مطول لشخصية مسرحية، فالمونولوج الدرامي dramatic monologue هو أي حديث توجهه شخصية لشخصية أخرى في المسرحية، تدخل ضمنها المناجاة: soliloquy، وهي نوع من المونولوج الذي يقوله الممثل للجمهور مباشرة، أو يفصح عن أفكاره وما يجول في داخله بصوت مسموع، حين يكون وحيداً أو حين يكون بقية الممثلين صامتين.
أما المونودراما فهي مجموعة من تعاقب لحظات درامية متواترة تغلب عليها الذاتية والمأساوية؛ لأنها تخاطب الشخصية في عمقها النفسي والشعوري، هذا النوع يحتاج إلى ممثل موهوب قادر على التعبير بوجهه وجسده وصوته وقادر على تقمص الأنا الداخلية له وأنا الآخرين عبر استدعاء الأحداث التي لا تتطلب ترتيباً منطقياً، وتعتمد تبعثر الزمن، حيث يتم التأكيد على الأحداث الحرجة والمتوترة التي لها أكبر تأثير في حياة الشخصية أو الشخصيات التي تستدعى في التعبير الذهاني لها، واللغة تأخذ شكل السرد أكثر من الحوار، لأنه يحاور شخصاً من داخله وليس أمامه حقيقة، أما المكان فيستدعى من عدة مستويات حسب ضرورة السرد أو النص عبر تداخل الأزمنة والأمكنة التي تتحدد عبر كثافة شعورية تبرز الأهم في ذاكرة الشخصية الوحيدة التي تميل إلى الخلاص الفردي للشخصية أكثر منه للخلاص المجتمعي العام، باستدراج الأحداث الماضية واسترجاع التفاصيل باعتماد السرد بصيغة الفعل الماضي، لذا نستطيع القول إن زمن المونودراما يقع في المنطقة الوسطى بين الماضي والحاضر والمستقبل لأنه يستدعي زمن إلى زمن ليرى آثاره ونتائجه، أو العكس بتمثل الحاضر الذي يحن إلى ماضٍ يستذكره، عبر اتباع أساليب مونودرامية عدة على غرار السرد، الاسترسال، الانسياب، الاستطراد، أسلوب الفلاش باك تعدد الأدوار، بحيث يحاكي الممثل أدواراً أخرى لشخصيات يستدعيها ويحاورها ويتشاكل معها مفترضة أو غائبة أو محتملة أم يتوهمها مستبدلاً الصراع الخارجي والاجتماعي في المسرح الكلاسيكي بالصراع النفسي.
فلسفة الوحدانية في المونودراما
لعل المونودراما تعكس واقع استلاب الفرد وذوبان ذاته في مجتمع قطيعي غير منسجم مع طموحه وتطلعاته، مما يسفر عن إحساسه بالغربة عن هذا الوسط، نتيجة لتغول ظروف الواقع المادي، صورته المونودراما كتطلع لخلاص فردي بعدما انتشر وساد بالأدب الحديث عن أفكار عزلة الفرد وهمومه الفردية بعدما فشلت المشاريع الجمعية في ترميم الخواء الداخلي له وفشلت بتحقيق استقراره وتعزيز إحساسه بالأمان، على العكس تماماً إذ تضاعف شعوره بالخوف من المجهول، فالمونودراما تنقل الصراع من العام إلى الخاص ومن المجموع إلى الذات ومن الخارج إلى الداخل، فالفرد صورة مصغرة عن العالم كما العبارة المنسوبة للإمام علي رضي الله عنه:
وتحسب أنك جِرمٌ صغير
وفيك انطوى العالم الأكبر
داؤك منك وما تبصر
دواؤك فيك وما تشعر
لا نستطيع القول إن الاعتماد على ممثل واحد يفتقد إلى التنوع، على العكس فهو يعتمد على قدرات نوعية للممثل المؤدي للدور عبر تنوع مضمر يتجول بين تجسيد صراع الذات مع نفسها من جانب وصراع الذات مع آخرين شكلوا بؤرة حرجة في ذاكرته بالماضي أو يفترض مع البعض الآخر مواجهة مستقبلية، ومن جانب آخر يقوم بتوهم ديالوغ بينه وبينها مما يعطي مروحة واسعة لفهم العالم الداخلي للبطل والوسط الاجتماعي المحيط به كذلك، والأمر يتطلب لياقة بدنية عالية ومقدرات صوتية تتلون وفق متطلبات وأهداف النص صعوداً وهبوطاً وهمساً وصراخاً حسب مقتضى الحال في تلاوين التنوع الصوتي والإلقاء، فالبوليفونية أو تعدد الأصوات التي عرفناها في السرد تجمعها المونودراما وتختزلها في قدرات الممثل الفرد الذي يجمع عالماً كاملاً في ذاته بمنطوق شخص واحد تتلون تعبيراته وفق الصوت الذي يسمح به التعبير عن الحال أو تقمص الوضعية التي يجسدها، ولا غرابة أن ذلك يحتاج لقدرات فنية عالية وإبداع احترافي ذي مستوى عالٍ.
النص المونودرامي وعلم النفس
إن الضغط الاجتماعي الذي يعيشه الفرد ينعكس في ذاته وعالمه الداخلي في انشطاره لذوات عدة عكستها المونودراما في رصد تحولات الفرد.
يقول فرويد: (إن الشخصية تتكون من صراع ثلاث عناصر هي (الهو والأنا العليا والأنا)، فالهو هو المكون الفطري للشخصية كالغرائز الجنسية والرغبة واللذة وغريزة الموت والحياة، وبكلمة مستودع الطاقة النفسية للفرد كونها تشكل الخبرة الذاتية للعالم الداخلي، أما الأنا العليا فهي التي تتحكم بالقيم المثالية والأخلاق العامة للوصول إلى الكمال لتأتي الأنا لتحاول التوفيق بين الأنا العليا والهو بين الغرائز والمثاليات من خلال النضج والتعلم في توليفة ما، وهذا الصراع في داخل النفس البشرية يفرز نوعاً من تشظي الشخصية لجهة تعاملها مع محركها العميق في داخل النفس وبين الضرورات الاجتماعية والواجبات في الخارج. هذه المكابدات من الصعب لغير شخصية الممثل الوحيد في المونودراما تجسيدها من خلال نص قوي ينهض بكل هذه التفاعلات والتناقضات التي تعمل في الباطن والعميق للشخصية وبذات الوقت ترصد انفعالاتها والمتغيرات التي تطرأ عليها لقاء اصطدامها بالمحيط فيما حولها.
المونودراما، وعلى الرغم من أنها من النماذج التجديدية والحداثية في فنون المسرح التي اشتغلت على تقويض ثوابت وعناصر متعارف عليها ودرج عليها العرض المسرحي باعتماد نقص افتراضي فيها؛ ولكن ماذا بعد؟ ما هو أفق هذا التجديد الذي اقتصر على ممثل وحيد؟ هل يقودنا هذا الاختزال وهل نتوقع في القادم من الأيام عرضاً دون ممثل يا ترى؟

ذو صلة
التعليقات