مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

الترجمة.. فن عابر للهويات وناقل للثقافات

وفقاً للبرازيلي (أوجوستو دي كامبوس)، الذي وضع مصطلح (إعادة إبداع النص) فإن (إعادة الإبداع) هي القدرة على الترجمة بإبداع، وبالتالي صناعة فن آخر هو (فن الترجمة).
الترجمة أدب موازٍ للأدب الأصيل وعابر لكل الثقافات بيد أنه يظل معبراً عن الثقافة الأم وحارساً للذاكرة الهوياتية للشعوب، إذا ما سلمنا أن الأدب السردي والشعري بكافة أشكاله وفنونه يحمل الكثير من هذه العادات.
المفهوم المتنوع (للترجمة)، خلال العقدين الماضيين، يربط دراسات الترجمة بمجالات الدراسة الأخرى، منتجاً في الوقت ذاته علاقة متشابكة الخيوط ترتبط بذلك التطور الثقافي الوارد في نظرية الترجمة لدى (سوزان باسنِت)، وأندريه لوفيفر، باعتبار الترجمة نموذجاً للوساطة، ليس فقط من لغة لأخرى، ولكن أيضاً من ثقافة لأخرى.
في حديثي مع الروائي والمترجم طارق فراج قال بأن الترجمة اليوم تتحوّل من مجرد نقل الثقافات إلى إبراز الفرق بين ثقافة وأخرى. في هذا السياق، يتجلى فعل الترجمة، متعدد الأوجه والتخصصات، بحسب (أوجستو دو كامبوس)، في العديد من المترادفات، مثل (المحاكاة) و(التكيف) و(إعادة الكتابة) و(إعادة إبداع النصوص).
وفي هذا الصدد أستطيع بكل أريحية أن ألا أتفق، ولا أختلف أيضاً مع ذلك الكم من النظريات الفلسفية التي تناولت الترجمة كفن مستقل ومنها على سبيل المثال (إمكانية واستحالة الترجمة)، (بقاء النص)، و(أخلاقيات الضيافة اللغوية).
للترجمة قيمة أخلاقية في وظيفتها كنموذج لتنظيم التفاعل بين الأفراد والثقافات. إن رباط الترجمة، وفقاً لبول ريكور، مع السرد المتأصل لأفعال التذكر والتسامح يعزز بشكل أكبر الحوار الذي يميز الترجمة كعمل تبادل.
يعتبر ريكور الترجمة نموذجاً، نظراً لدورها الوسيط بين مجموعة متنوعة من اللغات وكاستعارة تحكم في بناء روح تدعو للاعتراف المتبادل بين الثقافات من حيث توظيف إمكانات الترجمة كعمل أخلاقي في التوسط بين الادعاءات الثقافية السلبية وتقليل السلوكيات الثقافية المقاومة. وبالتالي، فإن السؤال النهائي الذي يجب تناوله هو ما إذا كانت الترجمة لديها القدرة على العمل كنموذج عالمي في تجاوز حدود الدول لتعزيز مجتمع مدني عالمي أكثر تعددية وديمقراطية.
ضمن الأساليب الأنطولوجية، ندين لـ(والتر بنجامين) بالوصف الأكثر كشفاً لنشاط المترجم.
أسس بنيامين في مقالته (مهمة المترجم) أساس الترجمة. هذا يتوافق مع فكرته بأن ما يلهم مهمة المترجم هو فرصة عظيمة لدمج لغات مختلفة في لغة واحدة، حقيقية، كاملة وعالمية. تكشف اللغة العالمية عن العلاقة الحميمة بين اللغات بالإضافة إلى إمكانية الترجمة في شكل يتطابق مع اللغة والإلهام في وقت واحد، إلى حد ما، تحتوي جميع النصوص العظيمة على ترجمتها المحتملة بين السطور.
أثار فوز عبدالرزاق غرنة بجائزة نوبل، والذي بهر الغربيين ولم يقرأه العرب بسبب شح التراجم، الجدل من جديد حول ضعف التراجم التي حرمتنا الاطلاع الواعي على أقلام وازنة، ذات ثقل أدبي ماتع، عن الأدب الأفريقي والآداب النادرة.
هذا الأدب (الأسود) (نسبة لبشرة كتابه ومبدعيه) لم يكن مألوفاً قبل إعلان فوز عبدالرزاق غرنة بجائزة نوبل، بل لم يكن الحديث عنه سوى محض رفاهية قرائية، ولم ينتبه إليه كثيرون، غاضين الطرف عن ثقافة تتماس معنا نحن العرب بالجوار الجغرافي وتتقاطع حد التماهي مع ذات الظروف البيئية والمعاناة السياسية والإنسانية من التسلط الاستعماري والتحرق تحت ويلات الحروب، ما دعانا للقول بأن دم الأدب أحياناً معلق برقبة الترجمة.
وتظل الترجمة العكسية من اللغة العربية للغات الأخرى حلماً قومياً يتيح نقل صورة حقيقية للمجتمعات العربية للنظير الغربي، ما دعا مؤسسات ثقافية لترجمة روائع الأدب العربي لعدة لغات
تظل الترجمات الناجزة غواية لا تخايل كثيرين ممن استسهلوا اللغات القريبة من الوعي الجمعي ذي الشعبية الكثيفة كالإنجليزية والفرنسية والإسبانية والإيطالية استجابة للنداهة الأوروبية، بيد أن بعض الآداب الأخرى لا تحظى بذات حظوة الأدب الأوروبي.
الترجمة الأدبية في حد ذاتها أدب مواز، لا يقل في جمالياته وحرفيته ومهنية اختيار جمله وتراكيبه ومعاني مفرداته وصورها الفنية التعبيرية والدلالية عن النص الأصلي المأخوذ عنه.
لكن السؤال الوجودي في عالم المترجمات، هل الترجمة غواية؟ وهل تخدم النص أم تهدمه؟
الفارق كبير بين اللغات البسيطة المتداولة والتي يسهل البحث فيها عن نصوص إبداعية ذات قيمة أدبية وفنيات سردية فارقة، وبين لغات قوية في إبداعها بيد أنها ضعيفة في عدد العالمين ببواطنها وعالمها الإبداعي.
فالمترجم جسر بين الثقافات، يكتسب ثقة القارئ برصانة جمله وقوة معانيه، لأنه ناقل للنصوص دون إخلال بالمعنى الأصلي لتحقيق مزيد من التواصل الأدبي والثقافي والحضاري بين الشعوب وتقريب الثقافات البعيدة على مداد خطوط الطول والعرض.
وهذا ما لا يتأتى بسهولة في لغات بعيدة عن منظومتنا التعليمية، فيتعاضد مكمن الخوف من منظور الأسلوبية وتباينها عن النص الأصلي وسياقاته الموازية للتدليل على عمق المعاني، هذا التخوف ربما ينجح المترجم المحترف المتمكن من لغته من القفز عليه، لذا يمارس فعل الترجمة في لغات يخبر دهاليزها وخفاياها.
ونعود للتساؤل، هل دم الآداب في رقبة الترجمة؟
بكل ما يحمل التساؤل من وجع ومرارة، تصفع التأكيدات عقولنا التي نظنها عقولاً مثقفة، ويلطم السؤال وإجابته منظومة الترجمة العربية بشكل عام لطمة قوية تصل حد إصابتها بارتجاج ربما ينجح في إعادة تشكيل خريطة الترجمات ونفض غبار الاستسهال عنها.
فعلى الرغم من كون الترجمة فعلاً نخبوياً انتقائياً لنصوصه لا يعني هذا أن تكون بمعزل عن الشعبوية ونشر الثقافة القرائية والاطلاع على ثقافات الشعوب وهذا ما لا يتسنى دون إلمام تام باللغتين والثقافتين والخلفيتين اللتين ينقل المترجم منها وإليها، وهذا ما يدفع المترجم للكتابات باللغات القريبة وعلى رأسها الإنجليزية المستخدمة في مدارسنا ومنظومتنا التعليمية وتحقيقاً للنداهة الغربية القريبة، وهروباً من فخ المقارنات بين النص في لغته الأم وترجمته.
الترجمة تهتم بتطويع النصوص، وليس مجرد اقتباسات لغوية شحيحة المضامين، أو ترجمة حرفية فقيرة وقميئة تفقد النصوص مرونتها وتحيلنا مجبرين لترجمة إلكترونية تتواجد بوفرة على مواقع البحث.
الترجمة خيانة للنص أم بث الروح فيه؟
أراها ابتعاثاً جديداً مع كل رؤية مغايرة تأخذ بعقل القارئ ووعيه لفكر وثقافات الشعوب الأخرى، ولكنها بذات الوقت تضعه في حالة من المقارنة عند قراءة النصوص بلغته الأصلية بعد قراءتها مترجمة، فيتحول من الحكم على النص الأصلي للحكم على الترجمة.
ما يفت في عضد التراجم تشويه مترجمين للنصوص بالحذف والإضافة والإخلال بالمعنى الذي أراده الكاتب الأصلي على خلفية ثقافية ودينية معينة.
فالمترجم لا يملك النص، هو أشبه بالنهايات العصبية في جسم الإنسان ناقل وليس منشئ للفعل.
بعض النصوص المترجمة تعاني ضعف البناء وتفككه وتهلهل معانيه بما ينحرف بالمضمون عما أراده الكاتب الأصيل، فالترجمة مسؤولية تفوق التأليف، كونها إعادة إنتاج للنص، وأمانة نقل المحتوى بنقل نص من لغته للغة موازية لا يملك المترجم العبث به، فنجد معنى غير ما أراده الكاتب، نحن نكتب النسخة العربية للنصوص فحسب.
الترجمة رسالة إنسانية وقيمة أدبية، نافذة الآخر الذي لا يضطلع باللغة الرئيسة للنصوص، ويظل بحاجة ماسة لإشباع شغفه وولعه بالانفتاح الثقافي.
فضح المترجم سعد زهران في مقدمة كتاب إريك فروم (الإنسان بين المظهر والجوهر) بعض تصرفات مترجمين في النصوص الأصلية بما يشوه المعاني ويقضم منها ويبتر بعضها بالحذف والإضافة إخلالاً وتعريضاً بالمحتوى المترجم.
وهكذا فقد تدخلنا في مواضع قليلة بالحذف من الاقتباسات والإشارات الدينية، اليهودية والمسيحية التي أوردها فروم، لأنها غير مألوفة لدى معظم القراء العرب، ولذلك فلم يؤد حذفها إلى أي مساس بآراء المؤلف، بل نعتقد أننا زدنا أفكاره ثراء بالاقتباسات التي أسلفناها من القرآن الكريم، وعلى أي حال لم يزد ما حذفناه من الكتاب كله على عشر صفحات متفرقة لم تؤثر أبداً في سياق أفكاره.
تتبنى مصر مشروعاً قومياً للترجمة من العربية لبعض اللغات الأخرى، واستثماراً للتبادل الإنساني بين مصر وروسيا قام المركز القومي للترجمة بترجمة رواية (الطوق والإسورة) ليحيى الطاهر عبدالله، وقصة (خيال الحقل) لعبدالتواب يوسف، كونهما تعكسان جوهر الشخصية المصرية بكل ثرائه وتنوعه، ومكوناته الثقافية بفنية ومصداقية.
والترجمة من اللغة الصربية ومن العربية للصربية منها: الأعمدة السبعة، الشياطين تلهو.
الترجمة إعادة كتابة للنص، فإما تكون حرفية فقيرة ناقلة للمعنى الحرفي دون إضافة تذكر فيضيع معها المضمون، وإما نقلة نوعية للنص من حرفيته وفضائه الضيق لأفاق أكثر رحابة، وتمتين للنقلات والحبكات والتنويعات السردية، تضفي بريقاً جذاباً يشد القارئ ويمتعه بنص رصين، دون سلبية التأثير الثقافي والاجتماعي للمترجم على روح المادة المترجمة بل إيجابيته المرجوة.
فهناك لغات بها ثقل وثراء ثقافي يقوي النصوص المترجمة كالمجازات والتشبيهات الأدبية التي تنبثق من خصوصيات بيئة ولغة معينة.
خيانة جميلة إذ تحقق مطلب الترجمة في جل جوانبه، كما قد لا تصبح كذلك حين تظل خيانة معيقة لأي تطلع في هذا المجال.
يظل شح المصادر العلمية والدراسات الإحصائية في رصد تاريخ المترجمات من كافة الآداب المهجورة وعلى رأسها الأدب الأفريقي عائقاً أمام التأريخ الدقيق لحركة الترجمة.
وإعادة الآداب المنسية لبحر الترجمة فينهل القارئ من معين مختلف ويتعرف على ثقافات باذخة في مدلولاتها والقيمة الإبداعية لكتابها.

ذو صلة
التعليقات