مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

الخزي من التاريخ.. الذاكرة الثقافية في العراق المعاصر!

في العام 1920 صدرت صحيفة (العراق) العربية في بغداد بدعم وإشراف من قبل السلطة البريطانية، لينتظم خطابها على وعد ببناء دولة معاصرة، مثلما قام ذلك الخطاب على تحميل السيطرة العثمانية معظم ما أصاب العراق من ويلات وثبور.
هنا بدأت أول عملية للتنكر من التاريخ الفاعل ثقافياً واجتماعياً في البلاد، حتى وإن كان الخطاب صحيحاً في الأمثلة التي ساقها، وهي عملية تلقفتها نخبٌ فاعلة لتبدأ في صوغ (تاريخ جديد) هو في حقيقته قائمٌ على إنكار التراكم الوظيفي والثقافي للدولة والمجتمع حتى العام 1918 أي التاريخ الرسمي لنهاية الولاية العثمانية على ما أصبح لاحقاً العراق المعاصر وقيام الحكم الملكي في العام 1921.
هذا المبدأ الذرائعي (التنكر للتاريخ) في تشكيل السياق السياسي والاجتماعي والثقافي نسف فكرة التراكم في تشكيل الوعي المجتمعي بأهمية الذاكرة الوطنية، وأوجد القطيعة بدلاً عنها، لا بل إنه صار (تقليداً) ستتبعه، كما سنلاحظ تالياً، في الأنظمة الجمهورية التي قامت على أنقاض (مؤسس) شطب الذاكرة الثقافية أو تنميطها لصالح السياق السياسي، فماذا فعلت تلك الأنظمة؟
بعد أيام على 14 تموز/ يوليو 1958 وهو تاريخ مولد الحكم الجمهوري الذي قام في حفلة (عرس دموي)، أصدرت رئاسة الحكم الجديد حينها قراراً بتغيير أسماء الشوارع والساحات العامة والجسور والمدارس وكل المؤسسات العامة، من أسماء تحمل ما يدل على النظام الملكي إلى أسماء دالّة على (الحرية والجمهورية والثورة والعراق الجديد)، ناهيك عن تغيير العملات والطوابع والشعار الرسمي للدولة ونشيدها ويومها الوطني. حينها بدا الأمر ملتبساً على الجيل الذي ولد ونما وترعرع وسط خطاب الحكم السابق فاهتزت ذاكرته الثقافية والمكانية، ثم ما لبث أن أصبحت ضجيجاً من العلامات والمعاني، زاد ذلك اضطراباً أن الأسماء التي اختارها (الجمهوريون الأوائل) تعرضت لشطب جديد في 8 شباط/ فبراير 1963 حين انقلب (الضباط الأحرار) على بعضهم حد قتل زعيم حركتهم (عبدالكريم قاسم) والآلاف من مناصريه وبدون رحمة وشفقة، ليختفي الكثير منها لصالح أسماء تمجّد (البعث)، العروبة، القومية والدين فيما تم شطب الاسم الأول وكل دلالاته بعد نحو تسعة أشهر حين انقلب رئيس البلاد (عبدالسلام عارف) على رفاقه البعثيين.
وفيما احتاجت الناس نحو عقد كامل كي تأخذ سياقها التداولي المعتاد مع الأسماء والأمكنة والمعاني، وهي عوامل تشكل الذاكرة الثقافية والوطنية، جاء البعث إلى السلطة في 17 تموز/ يوليو 1968 ليلغي كل ما سبق حتى وإن كان متوافقاً مع شعارات الجمهورية والحرية والثورة! ليصل بعد عشر سنوات إلى تمجيد (القائد) ولتصبح مئات المؤسسات العامة تحمل اسماً واحداً لا غير: صدّام ومرادفاته.
وتواصلت عجلة الإلغاء والتغيير المخيفة في دورانها على نحو أعنف وأقسى مع النظام الحاكم اليوم إثر الغزو الأمريكي 2003، لتنهض معاني الطائفية والتقسيم القومي والمناطقي وتختفي ملامح الوطنية والمشتركات الإنسانية شيئاً فشيئاً.
ما الذي جعل كل القادة ينشغلون، ومنذ أيام حكمهم الأولى، بتغيير علامات التاريخ والمكان وشطبها من الذاكرة العامة؟
لقد كان ذلك قائماً على فكرة متعسفة ثقافياً لكنها طبيعية سياسياً عند الحاكمين الجدد، ترى أن التاريخ يجب أن يبدأ معهم، لا بل أن يحمل كل ما يدلّ عليهم أسماءً شخصية ورموزاً ودلالات، مثلما يعني هذا شطب كل ما يتصل بمن حكموا قبلهم وصولاً إلى محوهم من الذاكرة حتى وإن كانوا أصحاب فضائل نوعية وصروح بناء مؤثرة في تاريخ البلاد وحياة مجتمعها، فالتاريخ القريب عنصر شعور بالخزي دائماً لا سيما أنه يحث على المقارنة بين نظام حكم وآخر وهي سائدة بقوة في العقل العراقي على امتداد قرن كامل قابل للتواصل مع استمرار ثقافة المحو والإبدال.
(تأميم) الثقافة وذاكرتها
هو إذن الشعور بالخزي من التاريخ وتراكمه في عملية ثقافية واجتماعية شديدة التعقيد والتداخل بما يجعل تكوين الذاكرة الثقافية الوطنية أمراً غاية في الصعوبة بل شبه مستحيل. لنسرد هنا حكاية هي مثال على التعسف الذي تعنيه السلطة العقائدية بالذاكرة والنشاط المغذي لها، وهي حكاية الفرقة السيمفونية الوطنية العراقية حين كانت نشاطاً اجتماعياً وثقافياً خاصاً (أهلياً) وكيف تم إلغاؤها بقرار من وزير هو من (الضباط الأحرار).
الفرقة بدأت من عازفي الآلات الوترية بقيادة الأب الحقيقي للموسيقى الحديثة في العراق، حنا بطرس في عام 1936، وصولاً إلى مشاركته في (جماعة بغداد الفلهارمونيك) عام 1948 التي تعتبر التأسيس الحقيقي للفرقة السيمفونية.
وظلت الفرقة نتاجاً أهلياً يعبّر عن حيوية جاءت (نتيجة للوعي الثقافي والفني اللذين بدءا يتبلوران في المجتمع آنذاك بين الشباب الذين درسوا في الكليات والمعاهد العراقية وقدوم مجموعة من طلبة الفن من الخارج ممن تميزوا بالموهبة والحماس).
انتهت استقلالية الفرقة وبقاء نسقها الثقافي معتمداً على أصول موسيقية بحتة، حين قرر وزير الإرشاد الزعيم الركن إسماعيل العارف، وهو من ضباط الحركة العسكرية (الثورية) التي أطاحت بالحكم الملكي، (تأميم) الفرقة السمفونية وجعلها حكومية وإنهاء كونها مجموعة ثقافية أهلية في عام 1962.
سيطرة الحكومة على الفرقة السيمفونية جعلها واقعياً، تشكيلاً وظيفياً تابعاً للسلطة الحاكمة من الناحية الإدارية، ومنسجماً مع توجهاتها من ناحية الخطاب السياسي والفكري. ومع التطبيق الحقيقي لمبدأ (الثورة تأكل أبناءها)، الذي أكده نظام 14 تموز 1958، جاء حكم عسكري في انقلاب شباط/ فبراير 1963 بموجة أكثر دمويةً وعنفاً من الموجة الأولى، لكنه ظل أميناً على تقليد (ثوري) يتمثل بإسناد العمل الفكري والثقافي للعسكر، فوصل لمنصب وزارة الإرشاد (الثقافة والإعلام لاحقاً) ضابط برتبة عميد (زعيم) ركن أيضاً، هو دريد الدملوجي.
وإذا كان وزير المعارف الأسبق، الزعيم الركن إسماعيل العارف قام بتأميم الفرقة السمفونية، فالوزير الجديد (آنذاك) لا بد له من مخالفة وزير الحكم الذي انقلب عليه، فقام بإلغائها.
وضمن منهج (عسكرة) الثقافة والمجتمع الذي جاء به العهد الجمهوري، شغل العميد الركن دريد الدملوجي في العام 1965 منصب مدير عام وكالة الأنباء العراقية ثم منصب وزير الإرشاد في حكومة رئيس الوزراء ناجي طالب في عام 1966 لـ«المحافظة على الخط القومي والمسیرة القومیة» كما ورد في نص قرار الوزير الدملوجي القاضي بإلغاء الفرقة السيمفونية. لنلاحظ ما بدا رابطاً بين العبارة الأخيرة السائدة أيام صعود الخطاب الناصري وصداه عراقياً عبر حكم عبدالسلام عارف، وقرار الوزير الدملوجي الذي بدأ بجملة تضليلية صارت جوهرية في ثقافة الحكم العراقي: «مقتضيات المصلحة العامة»! فالمسيرة القومية كانت في تجلياتها السياسية المباشرة ممثلة لروح العسكر الثورية المعادية للمعرفة المدنية والتحضر الثقافي وبخاصة ما كان غربياً منه، بذريعة تأصيل الوطنية والأفكار القومية التي بالضرورة كانت ترى الثقافة الغربية، حتى الكلاسيكي منها، بوصفها ترويجاً للأفكار (الإمبريالية).
وثمة موسيقار عراقي هو العازف البارز والمؤلف منذر جميل حافظ (رحل عنا قبل أيام) تولى شخصياً إدامة الفرقة السمفونية الوطنية العراقية في تلك الأوقات العصيبة خلال الفترة بين إلغاء الفرقة في 1966 حتى عودتها 1971 بقرارين حكوميين. لقد كان منزله الشخصي في شارع أبي نواس ببغداد محطةً للقاء أبرز عازفي الفرقة، لا لتزجية الوقت إنما للتمرين والعزف المشترك حفاظاً على تجربة روحية صارت لاحقاً واحدة من مرايا ثقافية واجتماعية تعكس مدى الأثر المدمر لنهج هدم الذاكرة على الوعي الإنساني للفرد وعلاقته بوطنه.

ذو صلة
التعليقات