مجلة شهرية - العدد (518)  | نوفمبر 2019 م- ربيع الأول 1441 هـ

د. رسول محمد رسول: أنا مع الجنس الإبداعي الثالث

د. رسول محمد رسول: أنا مع الجنس الإبداعي الثالث

حوار: أحمد اللاوندي: مصر


دكتور رسول محمد رسول، فيلسوف ومفكر وناقد وروائي وباحث وكاتب وأكاديمي عراقي، ولد في مدينة الكوفة (1959)، عاش سنواته الأولى بها، ثم انتقل مع أسرته إلى بغداد (1964)، حيث تلقى تعليمه بها، إلى أن حصل على الدكتوراه في الفلسفة الألمانية الحديثة من جامعتها في (1997). عمل أستاذاً في عدد من الجامعات العربية، وباحثاً في كثير من مراكز الدراسات والأبحاث العلمية، ومستشاراً في جائزة الشيخ زايد من (2012) وحتى (2013)، وهو عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقي، وعضو الهيئة الاستشارية لمجلة الكوفة منذ تأسيسها (2013)، وشارك في تأسيس بيت الحكمة العراقي (1997)، يمتاز بكثرة مؤلفاته وتنوعها، حيث له أكثر من 26 كتاباً في الفلسفة والفكر العربي والإسلامي والنقد، كما له روايتان: (يحدث في بغداد) (2014)، (أنثى غجرية) (2018)، أيضاً لديه مشاركات في تأليف أكثر من 16 كتاباً في مجالات المعرفة المتعددة.
هو هنا يتحدث مع (المجلة العربية) من خلال هذا الحوار الخاص..

ولدتَ في الكوفة، وهي مدينة تاريخية قريبة من نهر الفرات، ومن بيت علي ابن أبي طالب رابع خلفاء المسلمين، وقريبة أيضاً من مسجد الكوفة الشهير، ومن منطقة كندة مسقط رأس الشاعر العربي الكبير أبي الطيب المتنبي. حدثنا عن ذكرياتك مع هذه المدينة العريقة؟
-  الكوفة هي كوفتي الحمراء، كما هي كوفة العرب وجمجمتهم، إنها المدينة الرملية التي ولدتُ وترعرعت في أحد أزقتها القريبة من حافة النهر، مشيتُ في شوارعها العابقة برائحة الماضي، عشت فيها سنوات طفولتي اليافعة، ولا أنسى كل شبر من ترابها الذي لامسته كفاي وقدماي. كنت صغيراً أرتاد جامع الكوفة حيث عمائم العلماء، ورجال الدين، والمشايخ، وتلامذتهم.. كانت نخبة تذكّرني بأمس الكوفة حيث عصر الخلافة. كل شبر هناك له رواية وله تاريخ وله ذاكرة. ولعل الأجمل هو ضفاف نهر الفرات المعروف بانسياب مائه، وبالزوارق الخشبية رقيقة السير. كذلك، دنيا الأسماك المبذولة حباً وزاداً للناس كافة، لست أنسى نخيل الكوفة الذي يحيط الجهات الأربع، فكلما نظرتَ في جهة، سترى نخيلاً ناضجاً بمحبته للخلق، سترى البساتين الثرية بعطائها للبسطاء. يا سيدي: الكوفة مدينة للوجود الإنساني والطبيعي والتاريخي. ولقد لدتُ لأم عربية حسنيّة، هي من أجمل نساء الكوفة رقيّاً ذاتياً وشكلاً، حيث يمتد نسبها إلى آل البيت، ولأب عربي عامري النسب، عاش عمراً بهيّاً في نضاله من أجل أسرته، وإن لي في الكوفة أخوالاً من سادات المدينة وأعيانها، ولي أيضاً طيباً يتمتع به الناس، وما زال عالقا في مخيلتي إلى الآن.
هل تتذكر أول محاضرة لك بعد تخرجك في كلية الآداب قسم الفلسفة (1987)؟
 - نعم، وعنوانها: (مسألة الأبستمولوجيا بين النصين الفكري والمعجمي) وكان مقرها في (حلقة الثلاثاء النقدية) بالعاصمة بغداد، وتكون الحضور من: الفيلسوف الجمالي شاكر حسن آل سعيد (1925 - 2004)، والناقد حاتم الصكر، والفنانة هناء مال الله، والناقد الفنان سعد القصاب، والناقد المترجم سعيد الغانمي، والفنانة الراحلة ليلى العطّار (1944 - 1993).. بعد ستة أعوام بالضبط رحلت إلى الأردن، ومنها إلى ليبيا، ثم إلى دولة الإمارات العربية المتحدة من (2001) لأستقر فيها، وتبدأ محاضرات لي في الشارقة. أما أول محاضرة لي في جامعة عراقية، فكانت في (الجامعة المستنصرية) صبيحة يوم 26 آذار/ مارس (2015) بمحاضرة كان عنوانها (الفيلسوف والتنوير) يوم كان ظلام الطائفية والتبعيات المعيبة يسرقان الجامعات العراقية إلى مجاهيل التمزّق والجهويّات المقيتة، وما زالا. كنتُ أبحث عن مساري كمثقف نحو التنوير الإنساني الأصيل، العابر لكُل طيّات الخراب التي حلّت على أهم المؤسسات الأكاديمية في العالم العربي.
حصلتَ على الدكتوراه في الفلسفة الألمانية الحديثة من جامعة بغداد، لماذا اخترت هذا التخصص بالتحديد؟
- جاء اختياري للفلسفة الألمانية بناء على أساسين، الأول: إرادة الدولة العراقية بحاجتها إلى هذا التخصص، والثاني: إرادتي الشخصية لدراسة مفاصل الفلسفة الألمانية، وأنا سعيد بهذا التخصص للغاية، ولا أخفيك سراً أنني معجب بالعقل الألماني، لا سيما الفلسفي منه، وقد أصبحت من روّاده في العراق، إنني أول باحث عراقي يتخصّص بالفلسفة الألمانية في الماجستير والدكتوراه في تسعينات القرن العشرين، بعد المتخصص الوحيد فيها وهو أستاذي الراحل ياسين خليل المتوفى (1986) وكذلك الدكتور قيس هادي أحمد، وهو الذي أشرف على أطروحتيّ في الماجستير (نظرية المعرفة في فلسفة كانط) والدكتوراه (الأنظمة الميتافيزيقية في القرن التاسع عشر). ولم تقف دراساتي في الفلسفة الألمانية عند هذين الكتابين فحسب. فقد نشرت في (2015) كتابي (العلامة.. الجسد.. الاختلاف/ تأمُّلات في فلسفة مارتن هيدغر)، وهو أول كتاب عن فلسفة مارتن هيدغر يصدر في العراق، وقريباً سيصدر لي كتاب آخر عنه عنوانه (فتنة الأسلاف/ مارتن هيدغر قارئاً كانط)، كذلك أنجزت كتاباً عن هيدغر سيصدر في (2019). أما كانط، فقد نشرت كتابي الثاني عنه في (2016) بعنوان (كانط في ذاته.. دروب الفيلسوف في تعمير مفاهيمه). والرحلة مستمرة في قراءتي وتأملي وأبحاثي وكتاباتي عن الفلسفة الألمانية.
أنت فيلسوف ومفكر وناقد وروائي وباحث وكاتب وأكاديمي، وتتميز بغزارة الإنتاج، كيف تستطيع أن تنظم وقتك لتتقن كل مجال من هذه المجالات التي يحتاج الواحد منها إلى جهد كبير، وإلى تفرغ تام؟
- أقول لك بصدق، إنني أصرف ساعات يومي بحيث تصل إلى عشر ساعات يومياً بين كل ذلك، لا وقت عندي كي أضيعه، فكل دقيقة فيها نتاج بالنسبة لي، وعالم التفكير والقراءة والتأمُّل والكتابة هو عالمي الإنساني الذي أعيش في دروبه بلا ملل وبلا جزع، وشعاري هو أننا لا بد أن نعطي الحياة حقها، فللحياة حق علينا بكل تفاصيلها، وهي رؤية تنويرية بالنسبة لي، بل ولا بد أن تكون كذلك.
ما مهمة الفيلسوف من وجهة نظرك؟ وكيف يمكن أن يجدد دوره الفكري والوجودي معاً؟
لقد بيّنت هذا الموقف من قبل، وقلت: (إذا ما أردنا السؤال: منْ هو المثقف؟ إنه هو مؤثِر الحكمة التنويرية، ووظيفته هي الانفتاح على ذاته وعلى العالَم الذي يعيش فيه بغية أن يكون التنوير لديه ملموساً وثورياً، ينقلب على المعتاد الفاسد الذي بات تدميرياً في نهشه لذواتنا الإنسانية العراقية، وبشكلي الانفتاح معاً يضمن المثقف أنه لا يخرج من التاريخ، ويشارك بتشكيل المُقبل المتحرِّر من المعتاد الفاسد، المتحرر من عكازات نظامنا السياسي الهشة التي يريدنا الاستعانة بها. ما يعني أن المثقف هو الموجود الإنساني التنويري التاريخاني وليس ذلك الكائن البشري غير اللبيب الذي يولد ويشرب ويأكل ويتناسل، ومن ثمَّ يموت، المثقف هو الموجود الإنساني النادر الذي يدرك ويفكِّر ويتأمَّل ويتبصَّر الحاضر والغد (المستقبل)، وتلك هي حكمته في الوجود، حكمته التنويرية بوصفه إنساناً همّه استعادة الإنسان من النسيان، هذا النسيان الذي يكرّسه نظام دولتنا الغاشم بوصفه معتاداً ويطلب منا الإذعان إليه، ومن دون أن يعير -المثقف- أهمية مُطلقة لما هو جهوي سواء كانت الجهويّة طائفية أو مناطقية أو مذهبية-دينية أو بشرية رعاعيّة).
وإذا كانت هذه هي مهمة المثقف، فهي أيضاً المهمة ذاتها للفيلسوف، والفيلسوف مثقف. أما كيف يمكن أن يجدِّد دوره الفكري والوجودي؟ فذلك شأنه الأعمق كلما اقترب من الإنسان، وكلما راح يستعيد الإنسان من النسيان، فالإنسان بوصفه موجوداً إنسياً هو مخلوق مجدد في طبيعته، إلا إذا تخلى عن إنسانيته وراح يتوغل في مُجرّد بشريته العقيمة!
هناك تنوع واسع في استخدام المناهج النقدية في وطننا العربي، تُرى، أي هذه المناهج هو الأقرب إلى ذاتك؟
- في بداية حياتي، بدأت بوصفي مفكَّراً - فيلسوفاً نقدياً عقلانياً إنسانياً، وقد تبدّى ذلك في كتابي الأول الذي نشرته في بغداد (العقلنة.. السبيل المرجأ) (1993)، ورحتُ أطوِّر منحاي الفلسفي هذا في سنوات لاحقة من دون الابتعاد عنه، والمنهج العقلي النقدي مفيد لكُل مثقف وفيلسوف عربي معاصر، خصوصاً في ظل هيمنة خطابات اللامعقول التي تبيح إذلال الإنسان وتجويعه وتعطيشه وقتله وذبحه ومن ثم قبره، ولاسيما بعد (2003). الآن يحتاج المثقف، كما الفيلسوف، إلى مراجعات نقدية لكُل الخطابات، خصوصاً الخطابات التي أدّت إلى تدمير الأخضر واليابس في حياة الإنسان. وقد كانت كتبي (نقد العقل التعارفي) (2005)، و(نقد العقل التدميري) (2009)، و(ما الفيلسوف.. إنسان التنوير ومفكِّر صباح الغد) (2016) تصُّب في المنحى العقلي النقدي الإنساني الوجودي- الأنطولوجي، بلا تراجع.
في كثير من الأعمال الروائية والقصصية نجد مساحة للشعر داخل العمل، ما دلالة ذلك؟ وهل أنت مع تداخل وامتزاج الأجناس الأدبية في نص واحد؟ أم تعتقد أنه من الضروري أن ثمة حواجز يجب أن تكون بين الأجناس؟
- لنا في (التناص) مزية جمالية، ومخرج إبداعي أراه رائقاً إذا انبرى على نحو إبداعي راق لعملية (التنافذ بين الأجناس)، وأنا مع (تظافر) أكثر من جنس أدبي في بوتقة إبداعية واحدة، قد نسميها (الجنس الإبداعي الثالث)، والحواجز في ذلك يمكن أن توجد وتكون عندما يفتقد المبدع إلى قريحة بناء التناص والتنافذ والتظافر بين الأجناس.
كيف تكون هويتنا وثقافتنا وحضاراتنا قادرة على نبذ العنف والتطرف والانقسام والكراهية والتفكك ويصبح لها دورها الفعال في تنشئة وإعادة بناء الإنسان العربي؟
- تلك هي مهمة الفيلسوف والمثقف العربي، تكمن مهمته في إعادة بناء ماهيّة الهوية العربية وماهية الإنسان العربي بكل تشكلاتها الفرعية رغم هيمنة نزعة التدمير الشامل أحياناً، ويتم ذلك عبر إحلال ثقافة إنسانية لها جذورها في القرن الأول الهجري، عندما كتب الخليفة الرابع في إحدى رسائله قائلاً: (الرعيّة صنفان، إما أخ لك في الإسلام أو نظيرٌ لك في الخلق)، وأنا دعوت إلى ثقافة إحياء الإنسان النظير، وهي رؤية تخلصنا من العنف البيني ونزعة التدمير المستفحلة في عدد من دول العالم، ولاسيما العربي منه. وهنا تراني أدعو إلى (هوية الإنسان- النظير) لا المختلف ولا الجهوي، فهي السبيل إلى تخلُّصنا من ثقافة الكراهية، وهي ثقافة يريد لها المستعمِر أن تسود بيننا، ومع الأسف نجح في زرع الكراهية بين الناس، ولنا في تجربة عراق ما بعد (2003) خير مثال. فمهمة المثقف اليوم هي مقارعة الجهوية الطائفية والدينية والمناطقية والعرقية والبشرية الرعاعية.
إلى أي مدى ترى أن الخطاب التنويري الآن في عالمنا العربي له تأثيره الإيجابي كما كان في السابق؟
- الخطاب التنويري في العالم العربي بدأ ضعيفاً في منشأه الحديث، ومع ذلك بقي يقاوم التحديات، وهذا ما اتفق عليه الباحثون، والآن وقد هُزمت في الوطن العربي كل من الدولة القومية، والدولة الوطنية، والدولة الإسلامية، والدولة الإسلاموية المتطرفة كدولة داعش، لم يبق أمام الإنسان العربي سوى (دولة التنوير)، وأقصد بذلك (دول الإنسان)، لكن الطريق إلى ذلك فيه صعوبات كثيرة في ظل توجّهات الاستعمار الكولونيالي الجديدة، وكذلك التوجّهات الرعاعيّة السائدة في المجتمع، وتفشي ثقافة الخرافة والأساطير والخزعبلات والأوهام الميتافيزيقية، وهذا ما يلقي على فيلسوف التنوير ومثقف التنوير وإنسان التنوير مسؤولية كبيرة، وتحديات أكبر لا بد أن يكون لها مستوى التحدي يبديه مؤثِر التنوير.
بعد غياب دام أكثر من عشرين عاماً، استضافك الاتحاد العام لأدباء وكتاب العراق في لقاء جمعك بمثقفين ومفكرين وشعراء، صف لنا شعورك بعد عودتك إلى هذا المكان؟
- كنتُ سعيداً جداً، لأنها أول محاضرة لي في هذه المؤسسة الشجاعة التي أعتبرها تنويرية أكثر من غيرها. كانت بعنوان (الفيلسوف بين الوطن والثقافة) في آذار/ مارس (2018)، وقد قدمني إلى الجمهور يومها، المفكّر العراقي الكبير (علي الفواز).
على أي شيء يراهن رسول محمد رسول؟
- ليس سوى (الإنسان) أراهن عليه في بناء الحياة الحرة الكريمة الآمنة التي تؤمن بالغد الإنساني. وهنا أحيي الشاعر الصيني الذي قال يوماً: (لا جبل أعلى من الإنسان). وفي هذا الجانب صدر لي مؤخراً كتاب بعنوان (هيا إلى الإنسان)، لأقول خطابي عن الإنسان.

ذو صلة