مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

أحمد العجمي: العقل الشعري يبحث عن ذاته في تحولاتها المستمرة

أحمد العجمي: العقل الشعري يبحث عن ذاته في تحولاتها المستمرة

حاورته: هدى عبدالله:الرياض


أحمد العجمي شاعر بحريني متجدد ومجدد في الشعر والأفكار التي يطرحها في كتابته وأساليبه الفنية في تحول وهو شاعر يفاجئ بغزارته الشعرية المتنوعة، شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات العربية، وأصدر سلسلة من الدواوين الشعرية منها: إنما هي جلوة ورؤى 1987م، نسل المصابيح 1990م، المناسك القرمزية 1993م، زهرة الروع 1995م، العاشق 1997م، ربما أنا 1999م، مساء في يدي 2003م. ونتحاور معه هنا حول مجموعاته الشعرية الأخيرة التي نشر معظمها إلكترونياً، بالإضافة إلى كتابه الإلكتروني (آثار أقدام جرو السماء- أفكار في الشعر) أواخر العام 2019.
ظهرت مجموعتك الشعرية (مزامير العدم) بشكل غير تقليدي، في نصوص تصم الخراب العام الذي قد تورثه الحروب. فكيف يتجاوز الشاعر ذلك الخراب ليبني مدينة تفكر في الحرية؟
- الشعر في معادلته الكلامية عن بشاعة وظلام وبرودة الحرب يعمل على خلخلة قوتها وطاقتها باستصغارها والزج بها في قمامة التاريخ. والشعر بطاقته المستمرة يسلب من يشعلون الحروب ويتاجرون بها أمجادهم ويضع انتصاراتهم الوهمية وهزائمهم في مرآة الإنسانية المعتمة. وفي هذا الطقس والفضاء الفاضح والرافض للحرب تظهر الحاجة للحرية في تجلياتها الواعية من أجل ثقافة السلام والإنسانية، ولا يستطيع الشاعر الحقيقي الانصراف عن نداء الحرية ويبدأ في تشييد عالمه الفني على الأمل وقوة المتخيل البعيد الذي تبصره الحياة الجديدة التي لا تُهزم.
كيف استطعت في (مزامير العدم) اجتياز الحد الفاصل بين من يرقب الحرب من الخارج وبين من عاش لحظاتها الدامية؟ وماذا كلفك ذلك؟
- الشعر لا يغرف من التجربة الشخصية المباشرة فقط، وإنما من تجارب الإنسانية وتجارب التاريخ ومن الفكر ومن التخييل. ولا يحتاج الشاعر إلى المعايشة كي يكتب ويتأمل ويستشرف، رغم أننا في عصر اللحظة الرقمية نعيش الحروب كمتفرجين أمام الشاشات! والحروب الحديثة تصيب حتى البعيد جغرافيا عنها بآثارها الاقتصادية والسياسية والبيئية، فهو في دوائرها وحلقاتها. فأنا والآخرون وبخاصة الأجيال القادمة، في الحقيقة، ضحايا الحروب القديمة والحديثة. فالمختزن من الفكر ومن قراءة التاريخ والمعاينة بعيون رقمية كل ذلك يكفي لمعرفة بؤرة الحرب وإشعاعاتها المدمرة، ومعرفة أن المستقبل أكبر ضحاياها. وعلى الشعر ألا يكون متفرجاً من الخارج كي يكون شعراً. بل عليه أن يمتزج ببؤرتها وأطيافها ليقتلها ويحيي الإنسان.
 يبدو (مزامير العدم) قطعة سيرية ليوميات إنسانية يحاصرها الموت والعدم. وقد اتخذت تدويناً طباعياً مغايراً للسائد من خلال الكتابة بحروف كبيرة تصف الحرب وحروف صغيرة تنادي بالحب. ما غايتك المعنوية من ذلك التغيير الحرفي؟
- حين يتوافر أي فضاء تستثمره فنية الشعر. وفضاء الطباعة يحرض الشعر على التدفق فيه بأشكال ومساحات ومنحنيات متنوعة من أجل التشكيل البصري وإمتاع البصر، من أجل الإكثار من الدلالات والإيحاءات. وفي هذا الديوان جاء الاشتغال على محورين متوازيين ومتفاعلين، فالنصوص ذات العناوين تسرد مشهدية الحرب ونتائجها المدمرة، والنص الآخر يقدم رؤية ورؤيا بين بشاعة الحرب وضرورة قتلها بالحب.
ما الذي أردت الإيحاء به، من خلال لون غلاف المجموعة الأبيض والرمادي والعبارة التي كتبت على الغلاف الخلفي: (موتي أيتها الحرب)؟
الرماد هو ما تبقيه الحرب كشاهد عليها وعلى أهوالها وكارثيتها وكآباتها، وربما جاء الغلاف بلون رمادي كشاهد على كراهية الحرب وعلى هشاشتها وموتها شعرياً. وعبارة موتي أيتها الحرب كُتبت للدلالة على كراهيتها واحتقارها وعلى عدم قدرتها على هزيمتنا من الداخل وهزيمة أرواحنا ومستقبلنا.
وصفت أحوال العقل في ديوانك (للحجر عقل مضيء) فماذا رأيت في عقل الحجر؟ وهل الصمت أم التأمل هو السبيل إلى اكتشاف ذلك الضوء؟
- الشعر يذهب إلى أنسنة الطبيعة والأشياء المحيطة بالإنسان كي يطور من روح الإنسان ووجوده، وهنا جاءت المحاولة للتوغل فيما أضافته وتضيفه الحجارة بأشكالها ونوعياتها للحياة وتاريخها ومستقبلها. فلو لم تكن الأرض حجراً لما استطاع الإنسان أن يجد وجوده فوقها. الحجارة كان عقلها أركلوجيا في أحيان حفظت لنا صور العصور والكائنات التي سبقتنا مثل الديناصورات. والقمر كحجر صاغ لنا مثلوجيا دينية وصاغ تصورات روحية عن الحب، والكهوف الحجرية لها ذاكرتها، والأحجار الكريمة دخلت في الاقتصاد والثراء، ولولا الحجر لما شيدنا بيوتاً ومدناً... إلخ. أليس هذا عقل يمتلك ذاكرة وخيالاً، وحضوراً فنياً؟ الصمت لا يكفي ما لم يحدث الإنصات والتأمل بدوائر متسعة، فنحن نصمت لننصت لما يهمس لنا به الحجر ونتأمل إشاراته وإيحاءاته كي نتحاور معه.
في ديوانك (كاكاو) وفي قسم (أجنحة مطلقة) عمدت إلى عنونة بعض النصوص مثل: صو - هس - طش - مي - تن - فش - أف - ون - وص - نن - بص.) فما السبيل إلى تفسير مثل تلك الحروف؟
- في الشعر من الضرورة التجريب من أجل كسر السائد والمتداول حتى الصوت. والمجانية شكل من التجريب، فاستخدمت هذه العناوين بطريقة مجانية من أجل توسيع أفق التجريب والحرية الفردية والغرائبية.
وهذه العناوين مقاطع صوتية تذهب إلى النبرة الموسيقية أكثر من ذهابها إلى اللغة المعجمية، فهي أصواتنا التي يمكن أن تنتج المعاني، وربما تجد معانيها في لغات أخرى. وربما هناك من يؤولها بخيالاته وتصوراته، وهذا حق فني له.
اكتظ ديوان (نسل المصابيح) بمفردات الظلمة والنور ومحاولة اكتشاف الذات في قصيدة طويلة، ينكشف بها البعد العقلي الذي بنيت عليه صورك ومعانيك. هل ينبغي أن يبقى الشاعر أسير نصوصه إلى هذا الحد من التصوف؟
- ربما هناك من يؤول النور والظلمة إلى محور التصوف، وربما إلى ميثولوجيا أبعد في الثنائية، وهذا الثنائية مازالت تحكم الكثير من طرق حياتنا وتفكيرنا. أما البعد العقلي فلا بأس به مادام خاضع للشعرية ودورانها، بمعنى أن العقل وإن ظهر فهو كلمعان إيحائي يمد الشعر بزخمه وثقله وليس بمقولات جاهزة أو بالتفكير المنطقي. هذه تجربة في الكتابة ضمن طقس تجريبي محدد يفتح مقدار انفتاح الشعر على مجالات وآفاق غير مستسلمة لما هو متصور منها. وإذا كان الطقس يظهر صوفياً فهو ليس بالمعني الميثولوجي في رؤيته وفي التغطي به.
إلى أية درجة ينبغي للعنوان أن يخلق ملامحه من المجموعة الشعرية التي ينتمي إليها؟ ولماذا؟
- العنوان دائماً يعبر عن الكثافة ربما هو انزياح مكاني لبؤرة النص أو الديوان، ولكن هذا التكثيف شعري أيضاً، وهو مخاتل وملغّز ولا يسلم القارئ مفتاحاً سهلاً ووحيداً يغلق به فضاء التأويل. فالعنوان يصاغ مما هو متشابك ومذاب في الديوان، ويقدم صورة أخرى غير مكررة لما هو فيه. فعنوان الشعر لا يتعامل مع العقل المنطقي الصارم وإنما مع العقل التخييلي المراوغ المحب للعب وللتحاور مع الظلال والمتحدي.
تأتي معظم النصوص في ديوان (ربما أنا) مفجرة للغة شعرية وتخيلية، الى أي الجهات يقود هذا التداخل مابين اللغة والشعور؟
- لا أعرف إذا كان هذا التفجير قد حصل، وما مقداره؟ وهذا الاستنتاجات حين تتحقق فإن الشعرية في أفق النجاح، ولن يحصل هذا التفجر للغة ما لم تكن تمتلك فائضاً من المعنى والأحاسيس والتخييل وغير قادرة على حشره والإغلاق عليه أو تنميطه. الشعر يحتاج إلى نقطة حرجة كي يتفجر وهي نقطة الفائض من المعنى وظلاله الروحية والتخييلية.
من خلال مجموعتك الشعرية (العاشق) قدمت ملامح شخصية عاشقة تتغنى بالمحبوبة، مستخدماً لغة مغايرة للصيغ القديمة، كما حاورت تراثاً ثقيلاً من تاريخ الغزل في الشعر العربي في ديوان (العاشق) فماذا وجدت؟
- الكتابة في العشق ليست سهلة ولا تكون سطحية أو هامشية، فالحب قيمة إنسانية وسؤال يتعمق مع نهر الزمن والتجربة. ومهما تمت الكتابة فيه فهو متجدد ويحتاج إلى طاقة شعرية مغايرة وصيغ وصور وتراكيب مبتكرة. فالشعر ليس عن ماذا تكتب، وإنما كيف تكتب عنه. العشق يكون مخلخلاً وهامشياً حين يكتب عنه بصورة سطحية تقترب من التحرش أو تستلب الطرف الآخر ذاته وتحوله إلى شيء مادي، ولقد وجدنا الكثير من الكتابات في الحب لا تتجاوز هذا التصور! وفي تجربة ديوان العاشق ذهب الشعر إلى العشق في تحققه وممارسته بين روحين متكافئتين، متجاوزاً الغزل والهيمنة الذكورية، فلا قيمة للعشق دون ممارسته بشغف وبلا استلاب من الطرفين. وهذا الذهاب يحتاج إلى تلميح شعري يحمله فنياً ووجودياً إنسانياً. إنه نفخ في الروح المشتركة كي ترتفع نيرانها.
ما هي آليات الخطاب الشعري التي اعتمدت عليها في إنتاج هذا المخزون من الدهشة؟ وما الذي فجرها في ديوانك (مساء في يدي) على هذا النحو؟ وما أهمية تلك الدهشة شعراً وتلقياً؟
- كل تجربة شعرية تحتاج إلى نضجها من أجل حمل التجربة إلى نقطة مغايرة ومتجاوزة. وفي رؤيتي للشعر وكتابته تحضر الصورة والتراكيب والكثافة، وتتشارك المعاجم والفكر والتصورات في حالته المستحلبة الذائبة والمتشظية. وهذه الكيمياء من أجل خلق الابتكار والسحرية والدهشة ليرتفع منسوب فيضان الشعرية واتصالها بالذوات الأخرى المتشاركة في نقاط مختلفة مع ما هو متحرك في القصيدة والديوان، كالعزلة والاغتراب والوحدة.. إلخ. إحداث الدهشة لا يتحقق إلا حين يتحقق الابتكار والتجاوز، في الصور والتراكيب، وتحقق الدهشة يعني تحقق السحرية ولذة النص للقارئ المتعدد.
ينبئنا عنوان ديوان: (عند حافة الفم) أن هناك معضلة بينك وبين البوح يشير إليها العنوان ومسكوت عنه كثيراً في الديوان، فما نمط ذلك البوح المكتوم داخل صورك الشعرية وربما في عمق ذاتك؟ وما هي الظروف التي تعوق حاسة البوح الشعري؟
- تجربة ديوان عند حافة الفم تتناول الحرية. والحرية بكل تفاضلها وتكاملها محرمة علينا، ويقودنا التعبير عنها والبوح بها إلى الأقبية الباردة، وإلى الإزاحة من قبل جميع السلطات المهيمنة في مجتمعاتنا. ولقد استخدمت كلمة الحرية في كل نص بقصدية، وهي كلمة حين تنزلق من حافة الشفتين تزلقنا معها إلى المبهم والمجهول. وربما يسعف التأويل بين الكلمة وحافة الفم لماذا جاء هذا العنوان بهذه الصيغة.
في فترة سابقة من حياتك كتبت أغاني وطنية وسياسية، من بعدها اكتشفت مشروعك الذي لا ينتهي. ما هو هذا المشروع؟
- نعم كانت بدايتي مع الشعر في أول سنة دراسية بجامعة الكويت عام 1976، حيث كنت عضواً في اتحاد طلبة البحرين هناك، وكتبت تلك الفترة شعراً على هيئة أغان سياسية تم تلحينها والتغني بها من قبل أعضاء الاتحاد. لكن بعد استقراري في البحرين لم أتخل عن الشعر، ولم أتعامل معه كهواية ونزوة، وإنما تعمق وعيي به ورؤيتي له، وجعلته مشروعا ثقافياً وفنياً يتطلب مني جهداً كبيراً وصبراً طويلاً فاشتغلت على صقل أدواته والتمرن عليه والقراءة فيه والتفكير في مستقبلي معه. الشعر لابد أن يكون مشروع الشاعر المخلص له.
تجلت ثيمتا الماء، وكذلك الجفاف في ديوان (نصف كأس من الأمل) رغم تنافرهما. فما الذي دفعك للربط بين حالتين متناقضتين شعرياً وواقعياً؟ وما النتائج التي استقرأتها من تلك التجربة الشعرية؟
- نحن نعيش حالة الجفاف الوجودية التي تقود إلى التصحر والموت ثقافياً وفنياً وفكرياً وعلى مستوى قيم الحرية والجمال.. إلح. وهذه التجربة كتبت وأنجزت في مرحلة اشتعال الربيع العربي وانبثاق نافورة الأمل منذ عام 2011. ولهذا جاءت ثيمتا الجفاف والماء كطرفي قوس بين التصحر والربيع.
بالطبع هذه التجربة الشعرية أعتز بها لأنها منحتني ماء لروحي ولتجربتي الشعرية ولقوة الأمل.
مع الحرب المستمرة ضد الشكل الشعري من الشعراء أنفسهم خصوصاً تجاه قصيدة النثر المتطورة باستمرار، كيف ترى أهمية الشكل الشعري وما مدى تأثيره في متعلقات الشعر من أخيلة وصور ومعان ومضامين؟
- نتيجة تجربتي في الكتابة والقراءة وبفعل ذائقتي فإني أميل فكرياً وفنياً وثقافياً وذائقة لقصيدة النثر وجماليتها، وأعتبرها الأكثر قدرة على التعامل مع روح العصر وماهيته وحركته، فهي نتاج الحداثة والمعبرة عنها، وهي القادرة على التكيف مع الثورة الرقمية والزمن المستقبلي. لكن من حق أي شاعر أن يختار الشكل الذي يرى فيه نفسه وشاعريته. ففي هذا العصر يمكنك استخدام الطائرة للسفر كمنتج حضاري يعبر عن التطور والسرعة.. وو..إلخ.، ولكن لا أحد يمنع أحداً من استخدام الخيول والجمال للسفر.
تتنفس قصائدك الفلسفة بحس الكون وعلاقاته الشاملة مع الأشياء. فما الجماليات التي يمكن أن تمنحها الفلسفة للشعر؟ وأية فلسفة تناسب القول الشعري؟
- حين نتكلم عن علاقة الفلسفة بالشعر وجماليات هذه العلاقة، فهذا لا يعني أن تتحول القصائد إلى مواضيع أو مقولات أو فلسفية.
الفلسفة تولدت من الشعر حيث تناول الشعر الأسئلة والقيم قبل أن تتناولها الفلسفة، مثل الموت والجمال والحب والزمن...إلخ. والشعر في رحلته نحو تعميق وتجديد ذاته يعيد طرق وصيغ تناول هذه الأسئلة والقيم بزوايا وأعماق وأساليب مختلفة، مستفيداً من الرؤية الفلسفية ومعجمها. والفلسفة أيضاً تذهب بعض الأحيان إلى الشعر وجمالياته وأسئلته لإعادة البحث مرة أخرى، وتستعين بالصيغ الشعرية، لذلك مثلما فعل نيتشه. فالجمال يسكن جوهر الشعر وكلما تعمق هذا الجوهر تعمق الجمال أكثر وتعمقت ذائقته وتأثيراته الروحية. الشعر يستفيد من كل المعاجم بما فيها معجم الفلسفة في التمدد وتنويع استعاراته وتراكيبه.
(دَاخلَ جوزَةٍ مَكسُورةٍ) ماذا وجدت؟ وماذا فعل العقل الشعري حينما نظر إلى نفسه داخل عقله؟
- العقل الشعري لا يبحث عن ذاته في كمالها وإنما في نقصانها وفي تحولاتها المستمرة، فالشعر إعادة تفكير بصورة غير منطقية من أجل صياغة ظلال للحياة، إنه ثورة مستمرة ضد نفسه.
وفي داخل الجوزة لم يجد الشعر الاستقرار أو الثبات أو العزلة أو التفردة وإنما وجد رحلته وعلاقتها مع الكون والطبيعة والمثلوجيا والسحر والتاريخ والعلم، الشعر هو الشبكة التي اصطادت كل ذلك بخيوط لغتها ومخيالها.
بالإضافة إلى الإهداء، كتبت مقدمة لـ(داخل جوزة مكسورة) بعنوان (في جنوح الشعر)، لماذا كتبت تلك المقدمة رغم أنه قلما تتقدم ديواناً من الشعر العربي مقدمةٌ ويكون كاتبها الشاعر نفسه؟ ألا تخشى أن يقال بأنك تشرح قصائدك لمتلقيك وكأنك تملي عليه المعنى؟
- من يقرأ المقدمة لا يجد فيها شرحاً أو تأويلاً موجهاً للتجربة بحيث تفرض طريقاً ومناخاً على المتلقي، وإنما يجد فيها رؤية مختصرة للشعر وإشارة عابرة إلى ما يحمله كل عنوان من العناوين الثلاثة في الديوان. وارتأيت ضرورة أن أكتب هذه المقدمة بنفسي خوفاً من أن يكتبها آخر ويحكم مسارها برؤيته. فالديوان كبير ولا يجوز، ولا يمكن أن يتم فرض رؤية على المتلقي لما تبوح به أو تسكت عنه التجربة بهذه السهولة وفي مقدمة قصيرة.
بين اصطفاف وطول المقاطع وكثافة السطور الأولى لمقاطعك القصيرة في ديوانك (داخل جوزة مكسورة) كأنك تنظم قصيدة تتنفس أحشاءها في الانتشار التام بين قصائد مجموعتك نفسها، كما أن هناك قصصاً متناثرة تروي شعريتك ولأول مرة ألحظ هذا النفس القصصي المتوالي في دواوينك بهذا الكم؟
- تجربة داخل جوزة مكسورة أقرب إلى رؤية متشابكة في التاريخ العلمي والأسطوري للحياة والإنسان ولهذا اخترت لها هذا الشكل والصياغات الشعرية التي تختصر الزمان والمكان وتتوالى وتتعاقب بوتيرة سريعة ومكثفة. إنه نشيد لما حدث وما تركه في تاريخنا الإنساني على مستويات متعددة.
استعملت ضمير المتكلمين في معظم قصائد (دَاخلَ جوزَةٍ مَكسُورةٍ)، هل تعمدت هذا الخطاب الجماعي لكسب موقف المتلقي؟
- جاءت الصيغة الجمعية متسقة مع ما فرضته التجربة والحالة الشعرية، فالموضوعات لا تتعلق بالكائن الفرد وبتجربته الوجودية، وإنما بالبشرية وتاريخها المتنوع والمتشابك مع تاريخ الكون والطبيعة. وهذا الضمير يتعلق بصيغة الشعرية في ذاتها، وليس من أجل استدراج أو إرضاء المتلقي.
يشيع بين أهل الأدب والقراء أن الشعر يعيش مرحلة من التراجع، والملاحظ تزايد عدد الشعراء وكثافة نتاجهم الإبداعي المنشور من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، ما مدى صحة ذلك القول من وجهة نظرك؟
- لا أتفق مع هذه الرؤية، فهي لا تنطلق من دراسات تدعم ذلك، وهي رؤية سوداوية أقرب إلى الهشاشة واليأس، وقد تتدخل فيها إسقاطات تتعلق بتراجع الثقافة والمجتمعات وبالتالي يصاب الشعر بالعدوى، ومن جهة أخرى تظهر التغني والحنين للماضي باعتباره الأجمل والأفضل والأنصع. ولا أستبعد الأبوية التي ترى أنه بذهاب الآباء أو ما كانوا يعتبرون آباء ومتبوعين في الشعر فإن الشعر سيضعف.
كتابك (آثار أقدام جرو السماء- أفكار في الشعر) الذي صدر هذا العام 2019. زاخر بكثير من الأفكار المدهشة التي ربما تناسبت والمسقبل الشعري. خصوصاً وأن الشعر الحالي يشكو من تراجع فاحش في ظل انتشار الجوائز والمسابقات ومحاولاتها المستميتة في تنميط أساليب الكتابة الشعرية وبخاصة في دول الخليج وإن استثنيت البحرين من تلك الحالة؟
- أنجزت هذا الكتاب من خلال تجربتي الشعرية والثقافية والفكرية، وهو يلخص ويكثف رؤية ذاتية تخصني وأؤمن بها. وربما قد تفيد القارئ أو المشتغل على الشعر أو النقد. وبخاصة من يمتلك رؤية تقارب رؤيتي.
تجربتك مع النشر الرقمي لكتاب عن الشعر بالإضافة إلى دواوين لم يسبق لك طباعتها ورقياً تجربة فريدة، فكيف كان استقبالها والتفاعل معها؟ وما الذي دفعك إلى ذلك؟
- في تقييمي لتجربتي مع دور طباعة ونشر الكتابة خرجت باستنتاج مفاده أن هذه الدور لم تتطور وغير قادرة على مسايرة الزمن لأسباب تتعلق بها وبقدراتها المالية والإدارية والتجارية، ورغم احترامي لها ولتاريخها ولأدوارها ومساهماتها الفكرية والأدبية ولما قدمته وتقدمه، فإني أجدها في حالة اقتصادية لا تتعدى الدكاكين الصغيرة التي تفتقد إلى رؤية في النشر والتسويق الرأسمالي الحديث، وإنها تعتمد كلياً على الكاتب في المادة والمال، وهو الخاسر الأول في استمراره مع التجربة معها. وإذا كان الكاتب ينفق من ماله وغير قادر على استعادة ولو جزء منه، فالأفضل الاحتفاظ بماله والبحث عن صيغة أخرى للنشر وهذا ما وجدته في النشر الرقمي. وفي خطوة أخرى من المهم أن ننظر إلى الزمن في بعده المستقبلي وليس الآني المحتضر، فالثورة الرقمية أخذت تزيح الطباعة الورقية، وبالتالي ستزيح دور النشر الورقية وتهيئ المستقبل للشاشات واللمس في الفنون والكتابة، وبالتالي يتوجب رؤية تلك النقطة في الزمن المستقبلي وأعمل لصالحها من الآن وبخاصة للأجيال المستقبلية. فأنا أرى أن الكتاب الرقمي هو كتاب المستقبل وأن القارئ المستقبلي قارئ رقمي. وأرى أن الكاتب عليه أن يكون منتج المادة ومعدها ومخرجها وناشرها ومسوقها. ولا يمكن قياس مدى استقبالها وتقبلها وبخاصة من المتعودين على القراءة ورقياً، لكن من ناحية الانتشار فهي أكثر انتشاراً وتداولاً، وأعتقد أن في المستقبل سيكون استقبالها أفضل.

ذو صلة