مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

هادي الحُسيني: الشاعر يخاصم الواقع ليعيش في الحلم

حوار / عِذاب الركابي: مصر


كاتبٌ وشاعرٌ مثقلٌ بهمومِ حقبٍ وأزمانٍ مريرة، دخلَ في التجربة بروحٍ وجسدٍ مضنيينِ، وهوَ نهب عواصفِ حزنٍ مزمنٍ، وفرحٍ مُراوغٍ مؤجّل إلى اللّازمان.. ووجع قلبٍ متشظٍ بينَ طربِ الشعرِ- الحُلمِ، وألمِ النثرِ السرديّ الخليطِ من الواقعِ- الخيالِ والفانتازيّ السرياليّ في آنٍ.. تجربة حياة لا تُشبهُ الحياة.!
هادي الحُسيني والكتابةُ عزلةٌ تامةٌ..! والرهانُ على حياةٍ ثانيةٍ تستحقُ أنْ تعاشَ..!! والشعر- الحُلم لحظةُ خصامٍ واختلافٍ دائمٍ مع الواقع، لا لتغييرهِ، بلْ تغيير العيون الّتي تراهُ.. فقط للعيش في الحُلم، منطادُ النجاةِ، ومصدرُ رقيّ الإنسانِ، وأقصى درجاتِ الحُريّة.
مبدعٌ من طرازٍ رفيعٍ، الشعرُ لديه لازمنيّ..!!
الشعرُ لديهِ عوالمُ فانتازيّة.. قوةٌ على الأرضِ لنُصرة العدالةِ الّتي بدتْ عرجاءَ برؤى ماركيز، ولكنّها ستصلُ عبرَ قوافي القصائدِ ونزيفِ الشعراء (مبدعي الحلم الإنسانيّ المتلألئ) بتعبير غاستون باشلار.
واقعُ الوطنِ برؤاه خليطٌ من السرياليّ والفانتازيّ واللّامعقول، ولا سبيلَ لترميمِ ما تشظّى منهُ إلا الكتابة- الحياة، والشعر- الحُلم..
الكاتب والشاعر هادي الحُسيني في غرفةِ عقلهِ السريّةِ الكثير ممّا يقولُ:
 تتعدّدُ فنونُ الكتابة لديك: شعر، نقد، سرد روائي، يوميات ثقافية وحوارات.. لماذا الكتابة؟ أهي الباقية وحدها؟ أم الرهان الوحيد على صنع حياة الحياة؟ أم ماذا؟
- كل ما ذكرته في سؤالك المهم هو حقيقة يحسّها ويشعر بها كلُّ كاتبٍ يحرصُ على صنع حياتهِ من خلال الكتابةِ التي تجعلهُ يتنفسُ الحياة برمتها ليعيش في عوالم ومديات أخرى، بالنسبة لي الكتابة تجعلني في عزلة مع ذاتي بعيداً عن الناس، ولم يبق للكاتب سوى ما يتركه من أثر إبداعي. الكتابة هي فعلاً الرهان الوحيد على صنع حياةٍ ثانيةٍ وتحديداً في الشعر، كما وأنَّ الحروبَ التي عشتها كجندي ومشاهداتي للموت والتدمير مرات عديدة، وحياة الفقراء وبؤسهم الذين كنت أراهم في بعض المدن العراقية وحتى داخل العاصمة بغداد، كل تلك المعطيات جعلتني أمتلك خزيناً كبيراً من الجراح المثخنة التي عبّرت عنها من خلال الكتابة والتي هي تفريغ لهذا الخزين المملوء بالآلام والوحشة والخوف من المصير المجهول.
 الشعرُ قِبلتك التي لا يُمكنُ تغييرها، كما الحُرية، كما الحُلم.. قُل لي ما الجدوى من الشعر في عالمٍ وواقعٍ لمْ يعُد شعرياً؟
- تختلف كتابة الشعر كلياً عن أي كتابة إبداعية أخرى ففي الشعر تحديداً نجد أن الشاعر يخاصم واقعَهُ المرير ليعيش في الحلمِ، يعيش في الحرية المطلقة التي تطمح لها القصيدة وفي الجمال والتحرر من القيود بعيداً عن عالم القبح والظلم والحروب وغياب العدالة الاجتماعية. الشاعر دائماً يطمح بالتجديد والارتقاء بالإنسان إلى أعلى درجات الرقيّ، الشاعر له سمات وميزات تختلف عن أي مبدع آخر في الكتابة.
أليس للشعر زمنٌ؟ وهو البوابة التي تمرّ من خلالها كلّ الفنون! هل يتنازلُ الشعرُ عن كرسيه الوثير بهذهِ السهولة؟ حدثني!!
 - بالرغم من أن بعض النقاد يعتقدون أن هذا هو زمن الرواية لا زمن الشعر، إلا أننيّ ما زلتُ أعتقد أنه لا يمكن بأيّ حالٍ من الأحوال انحسار دور الشعر في كل المجتمعات فمن خلال الشعر أصبحت كتابة الرواية ترتكز على الشعر في الكثير من المقاطع، لا بل إن كُتاب الروايةِ بدؤوا يبتعدون عن السرد الكلاسيكي وأصبحوا يكتبون (النثر المركز) أحياناً ويحاولون من خلاله الاقتراب من منطقة الشعر، ومن ثم يربطون الأحداث والرؤى داخل أحداث الرواية. ليسَ للشعرِ زمنٌ معيّن، الشعر خارج نطاق الزمن، الشعر يخترق كل الأزمان وكل الأمكنة ويحلق عالياً في فضاءات العالم الرحب، ما زلنا ننبهر حتى اليوم حين نقرأ قصائد المتنبي وأبي نواس وامرئ القيس وشعراء آخرين سبقونا بأكثر من ألف عامٍ، وبالمقابل ثمة العديد من الشعراء الشباب يتفوقون اليوم بنصوصهم الباهرة بجمالها.
 بعيداً عن زرقة سماء بغداد، وعلى ضفاف شواطئ الغرب وثلجها الزاحف لإرباك نبض القلب.. كيف هو نوع ولون عبث القصيدة في وجدانك الذي لا يخلو من نوبات تشظٍ أليم؟
 - الغربة لها سلبيات كثيرة على قلب الإنسان وبخاصة حين يكون ذلك الإنسان شاعراً، الشاعر وحده يعرف الكثير من أسرار الكون وله مجسّات داخل قلبه ترشده إلى تلك الأسرار وبالرغم من قوة الحنين (النستولوجيا) التي تسحبني دون إرادة وباستمرار إلى مسقط رأسي الأول في مدينتي الحبيبة بغداد أجدني ومن دون إرادة أكتب عنها وصورتها لا تفارق خيالي على الإطلاق، بغداد دائماً حاضرة في أغلب قصائدي، بغداد أمُّنا التي ثكلت لكنها ومنذ عصورٍ بعيدةٍ، دائماً تنهض مثل طائر العنقاء من تحت الرماد لتنثر الحب والسلام..
قال لي صديقنا المشترك شاعر الحداثة الكبير الراحل عبدالوهاب البياتي في حديث دافئ بغاليري الفينيق بعمان صيف 1995: «لا شكل للقصيدة» ومن خلال تجربتي في (الهايكو العربي) وجدت أن القصيدة أكبر من كلّ الأشكال، وتتسع لكل الأشكال.. فلماذا يزعج هذا شعراء القريض والعمود؟ ماذا تضيف؟
-  بعد سنوات من التجريب في الكتابةِ وجدت ضالتي في قصيدة النثر التي من خلالها أستطيع أن أعبّر عن الكثير من التراكمات والمآسي في داخلي من خلال المساحة الواسعة والحرية التي يتمتع بها الشاعر بعيداً عن أحكام بحور (الفراهيدي)، وبالرغم من استسهال البعض لكتابة قصيدة النثر لكنهم لم يفهموا أنها أشد صعوبة من القصيدة العمودية. وحدهم كتاّب القصيدة الحديثة يعرفون سرّها، والمهم ليس شكل القصيدة إنما روح الشعر فيها.
تُرى مَن لهُ الفضل الأكبر في نضوجك، بل وترتيب وجدانك الشعري؟
 - كل جيل أدبي يتأثر بالأجيال التي سبقته ولم تختصر التأثيرات على جنس أدبي بحد ذاته، في الشعر على سبيل المثال التأثيرات تكون أكثر وضوحاً وبخاصة في القصيدة العمودية بسبب تقارب البحور والأوزان على العكس من القصيدة الحديثة. لم نرتقِ بالقصيدة العربية من دون التأثر بالمنتج الأدبي لمن سبقونا، شخصياً تأثرت في بداياتي الأولى عندما كنت صبياً في العديد من الشعراء أذكر منهم الجواهري ومظفر النواب والسياب والبياتي وسعدي يوسف ومحمود درويش وحسب الشيخ جعفر وفوزي كريم وسركون بولص، كنتُ أشعر بالسعادة الغامرة عندما أقرأ وأحفظ قصائد هؤلاء الشعراء الذين قدموا للقصيدة العربية الكثير لكن بعد مرور سنوات وجدت ضالتي في شعر (سعدي يوسف) الذي كنتُ أحسّ أنه الأقرب إلى وجداني الشعري.. في السبعينات أحدثَ (سعدي) انعطافة جديدة في الشعر العربي عندما نشر ديوانه (الأخضر بن يوسف ومشاغله) وكان (حسب الشيخ جعفر) قد جدد لنا في القصيدة العربية من خلال التدوير الذي قلده الكثير من الشعراء، وقبل هؤلاء كان (السياب) و(البياتي) وأسماء كثيرة أخرى لها الفضل الكبير في تطور القصيدة العربية ولعل طروحاتهم الجريئة داخل القصيدة مكنتهم ليحتلوا مكانة مرموقة في خارطة الشعر العربي.!
 ابتداءً من ديوان (ضباب الأضرحة 2000) ومروراً بـ(رجال من قصب 2007) و(رحيل الملائكة 2019).. هلْ لحياة مسرح اللامعقول في عراق اليوم ذكر في القادمِ من القصائد؟
- في كتابي الشعري الأول (ضباب الأضرحة) الذي طُبع في إسبانيا عن دار (ألواح) كانت أغلب قصائده قد كُتبتْ في عمّان وبغداد وأنا أستذكر شريط الحرب العراقية الإيرانية التي أخذت الكثير من أعمارنا.. أما في مجموعتي الشعرية الثانية (رجال من قصب) التي كتبتها في (أوسلو) فكلما أبتعد فيها عن العراق أجده داخل قلبي، شرياني الأبهر هو، العراق مثل الحبيبة لا بل هو الحب الأول، العراق هو الأب الحنون على أبنائه. وفي مجموعتي الثالثة (رحيل الملائكة) كان العراق حاضراً بقوة بعد احتلاله من قبل قوى الظلام بكل مسمياتهم، وبالتأكيد هو كبلد غارق في اللامعقول منذ عقود من الزمن، لكن في العقدين الأخيرين تجاوز كثيراً مسرح اللامعقول ودخل في فنتازيا اللامعقول!. لهذا فإن العراق هو عبارة عن مسرح تكثر فيه الفنتازيا التي تجاوزت الزمن والخيال، ومن خلال الشعر والكتابة نحاول ترميم وطننا الجريح الذي لا يستحق كل هذا الظلم، إنه العراق الذي نحب، ولا حبّ يعلو عليه.

ذو صلة