مجلة شهرية - العدد (528)  | سبتمبر 2020 م- محرم 1442 هـ

عامر بن جدو: خطوط الكمبيوتر تهز عرش الخطاط العربي

حاورته: أسمهان الفالح: الإمارات


(عامر بن جدو)، اسم ممتلئ بذات إبداعية تنزع نحو الفرادة، فكان غزيراً في إنتاجه، متجدداً في أعماله، هاجسه الأوحد المحافظة على الخط المغربي ذي الأسلوب (المغربي) المبسوط، وهو ذاته الخط الذي يُكتب به القرآن الكريم في جل المصاحف في منطقة المغرب العربي، خشية من اندثاره. وقد كان له الفضل في إصدار خط مطبعي أُلحق بالحاسوب، وهو (الخط القيرواني)، وظل بن جدو وفياً للتلازم بين الخط الكوفي القيرواني والخط المغربي في لوحاته التي ازدانت بها مختلف معارض الخط العربية، حيث كشف عن إبداع بصري لافت.
التقته (المجلة العربية) في الجناح المخصص لمعرضه (قيروانيات) بساحة الخط بالشارقة، على هامش فعاليات الدورة 22 من مهرجان الفنون الإسلامية بالشارقة، فكان لنا معه هذا اللقاء الماتع، فإلى نص الحوار:
عامر بن جدو، من هاو للخط العربي إلى مدرسة كونت الأجيال. حدثنا عن تجربتك في هذا الإطار.
كان اهتمامي الفني -منذ بواكير الصبا- منصباً على الرسم، وفي أواخر الشباب وقع بين يدي كراس المرحوم هاشم البغدادي فكان حافزاً رئيساً لخوض غمار ميدان الخط العربي الذي كنت أجهل مسالكه عدا بعض الآثار القليلة التي أعثر عليها صدفة من حين إلى آخر فأحاول تقليدها. واستمرت المسيرة طيلة عشرية كاملة مضت كلها في دراسة أغلب الخطوط المتداولة اعتماداً على هذه الوثيقة القيمة ومراجع أخرى اقتنيتها تباعاً من هنا وهناك. غير أن النتائج ظلت دون ما أرنو إليه نظراً لغياب الأستاذ المرشد وعجزي عن مواكبة ما يجري في الساحة الخطية. وبتحولي إلى تونس العاصمة تغير الوضع، إذ سرعان ما انضممت إلى أحد نوادي الخط العربي الذي يشرف عليه الخطاط القدير محمد ياسين مطير، ومن هناك انطلقت مرحلة جديدة في تعاملي مع الخط العربي حيث تابعت دروسي تحت أنظار أهل الاختصاص، مما شجعني على أن يكون لي حضور في جملة من التظاهرات الخطية داخل البلد وخارجها، توج بثلاث جوائز واحدة وطنية واثنتان دوليتان (مسابقة إرسيكا بتركيا).
لم يمض وقت طويل حتى استقر اختياري على التخصص، وكان ملاذي الخط الكوفي القيرواني الذي تزايد اهتمامي به إثر حصولي على الجائزة الوطنية سنة 2006  درسته انطلاقاً من كتابات علي بن أحمد الوراق صاحب مصحف الحاضنة الذي كُتب سنة 410 هـ، وكتبت به وبأسلوب صاحبه ذاته، لكن مع تجاوز مواطن الضعف التي تخللت كتاباته حتى تزداد أناقته وجاذبيته، وضبطت له قواعد تسهل التعامل معه، وطبعت به كل أعمالي تقريباً سواء منها ذات الطابع التقليدي البحت أو المستحدث، أعمال شاركت بجُلها في الملتقيات الدولية والوطنية.
بين اللغة والخط علاقة جدلية لا يفقه شفرتها سوى الخطاط، ما تعليقك؟
منذ فجر التاريخ ظلت اللغة وسيلة أساسية للتواصل بين مختلف الفئات البشرية، اقتضاها اجتماعها وضرورة معاملاتها اليومية وقضاء حاجاتها بيسر، كانت المعلومة تنتقل من فرد إلى آخر عبر مخزون الذاكرة واللسان الذي يعبر عنها بألفاظ اصطلاحية يفهم معناها أفراد القوم الواحد، وكم من مرويات تناقلتها البشرية من جيل إلى جيل على هذا النحو.
ولما تطورت الحياة البشرية، اقتضت هذه النقلة البحث عن وسيلة لتدوين تراث الشعوب وثقافتها، فظهرت الكتابة بأشكال متنوعة على مختلف المحامل، جاءت أرقى صورها الحروف التي بلغت عصرنا الحالي، حروف تفنن الخطاطون في تشكيلها كلما أرادوا تدوين ما يخالجهم من أفكار بلغة يفهمها المخاطب، وما يمكن أن يتلفظ به اللسان أصبح في متناول الإنسان تدوينه بهذه الرموز الاصطلاحية التي سميناها حروفاً، ومن ثم نشأ تلازم لا فكاك منه بين الخط واللغة مادام عمله الوظيفي التقليدي قائماً.  
الخط العربي بين البعد التوثيقي واللغة التشكيلية: أين يراه عامر بن جدو؟
خلال العهود الإسلامية المتتالية شهدت الساحة الخطية حركية لافتة، فقد اتجه المسلمون إلى تعلم الكتابة، ودونوا بها علومهم بدءاً بالقرآن الكريم كتابهم المقدس وتثنية بكتب السنة الشريفة وسائر ما أنتجه العلماء بمختلف اختصاصاتهم. ولم يكتف الخطاطون بمجرد التدوين بل سعوا إلى تجويد خطوطهم وتنويعها، حتى بدا الحرف العربي في أبهى صورة دفعت بالفنان المسلم إلى اعتباره وحدة تشكيلية يمكن أن تساهم في تقديم مشهد تشكيلي رائق. ومن هنا أصبحت له وظيفتان: وظيفة توثيقية، وأخرى تجميلية دخل بفضلها من الباب الواسع عالم الفن التشكيلي قصور الخلفاء والأعيان والمساجد التاريخية وبعض الكنائس القديمة، لاتزال بما كتب عليها من نصوص مقدسة شاهدة مع مر الزمان على هذا التوظيف الجديد للحرف. التوظيف الذي اتسعت رقعته في عصرنا الحالي، وبدت جلية بوادر منافسته للفنون التشكيلية غربية الجذور.  
متى يتحرر الخط العربي من إكراهات اللغة ويعانق البعد الإنساني؟
حين يتجاوز الخطاط بفنه القوالب التقليدية ويعانق العوالم التي تمنحه المزيد من حرية التحرك، سيطلق العنان لإبداع لا حدود له، بمهارة تؤهله للتدخل الرشيق كلما دعت الحاجة دون أن يظهر في منجزه أدنى نشاز قد يغض من قيمته، وسيظل تحركه في هذه الرحاب الواسعة بأريحية الضمانة في الاجتهادات الصائبة، وتقديم الإضافات التي تزيد في ثراء الساحات الخطية.
وفي أجواء هذا المتنفس الجديد، سيجد الخطاط الفرصة سانحة للتعبير عن أفكاره وأحاسيسه بكل صراحة وجرأة، شأنه في ذلك شأن المطرب مع صوته الندي والعازف مع لحنه الشجي والشاعر أو الخطيب مع بيانه السحري، وما يخرج من القلب يتجه رأساً إلى القلوب. وكما قيل: القلوب جنود مجندة، ما تعارف منها تآلف. وهذا القدر من التفاعل وبهذه الصورة الرائقة، هو عنوان نجاح الخطاط في عمله.
هل تخدم التكنولوجيا الخطاط أم أنها تحد من فنياته؟
يحذر أحمد علي سليمان، خبير تدريس الخطوط العربية، في مقالة بعنوان: (خطوط الكمبيوتر.. هل هزت عرش الخطاط العربي)؟ من أن تحول عدد كبير من المهتمين والعاملين في مجال الخط العربي إلى استخدام الحاسب الآلي في الحصول على قوالب نمطية وثابتة ودون اللمسة الإنسانية على الخط العربي أدى إلى حالة من الرتابة، وساهم في القضاء على عناصر الإبداع لدى الموهوبين. مضيفاً أن الموهوبين في مجال الخط العربي لا يجدون من يتولى رعايتهم على الرغم من أن عدد هؤلاء قليل، مشيراً في نفس الوقت إلى الضعف الواضح الذي يميز خطوط طلاب المدارس في كافة المراحل التعليمية، وحتى في مرحلة التعليم الجامعي.
بينما يؤكد أيمن يوسف، أحد خبراء الخط العربي أنه رغم التقدم التكنولوجي الكبير في مجال التطبيقات المرتبطة بالكمبيوتر في تنوع وجود الخط العربي، إلا أن التقنية الحديثة في هذا المجال لم تحل محل الخطاط البشري أبداً، مشيراً إلى أن الحاسب الآلي يمكن أن يكون له دور في الكتابة العادية، لكن الخط العربي بأشكاله الفنية والإبداعية لا يمكن أن يخرج للنور إلا من خلال إنسان مبدع ملم بفنون كتابة الخط العربي، وبأشكال الحروف وأطوالها وأحوال طمسها أو مدها.
نِعْمَ ما أكده هذان العلمان، ومن قديم قيل: (الخط هندسة روحانية وإن ظهرت بآلة جسمانية). فهل يا ترى سيحافظ الحاسوب على هذه الروحانية الآسرة التي نلمسها في كل كلمة خطتها أنامل الخطاط؟ هذا محال!
كيف ترى مشهد الخط العربي في تونس اليوم.. الواقع والآفاق؟
يشكو الخط العربي بتونس ضعفاً في الأداء نتيجة لتهميش تاريخي كان وراءه رواد الحضارة الغربية التي هيمنت على الذوق العام حتى وجد كل وافد من خارج البلد الحفاوة والترحيب، ومُج كل ما هو محلي، وباتت محاولات التشبث بما تبقى من معالم أصالة البلد عنوان الرجعية والماضوية والجمود ومدعاة للسخرية والتحقير. تهميش ساهم في ضحالة إنتاج خطاطينا التاريخيين، هؤلاء العصاميين الذين لم يجدوا من المراجع والتشجيع ما يساعدهم على تطوير أعمالهم كشأن إخوانهم في الساحة المشرقية منذ عشرات السنين. أعرب الغيورون في ذلك الوقت عن رغبتهم في الرفع من مستواهم، وانتظروا أن يفتح لهم باب التربصات الخارجية إلا أنهم واجهوا صدوداً من سلط الإشراف، الأمر الذي أحبط آمالهم، فركنوا إلى التناسل من بعضهم البعض بما لهذا الطرف أو ذاك من خبرات متواضعة. قنعوا بذلك وهم يضمرون ألماً لما يعانونه من خيبات وأملاً في انفراج ما هم فيه من ضيق.
وفعلاً تطورت وسائل الاتصال بعد ذلك، فهبت على بلادنا رياح الشرق من جديد، وأحدثت في الساحة الخطية المحلية حركية جديدة ساعدت على نشأة جيل آخر تجاوز أسلافه بمسافات شاسعة. ومع ذلك ظل في مضمار السباق بعيداً عن الركب ومحتاجاً إلى مزيد من الدفع. ولعل مثل هذه المستجدات فرضت على الدوائر الرسمية إيلاء شيء من الاهتمام بالخط العربي حفظاً لماء الوجه، تحرك لم يثمر شيئاً له اعتبار. ومثال على ذلك المركز الوطني لفنون الخط العربي الذي تأسس في أواخر تسعينات القرن الماضي، ظل منذ ذلك الوقت يستقبل سنوياً أعداداً وفيرة من الطلبة، ولكنه ظل عاجزاً عن تخريج خطاطين قادرين بتميزهم على فرض أنفسهم في الساحة المحلية أو خارجها، فظل عدد خطاطينا اليوم محدوداً، والمجيدون أقل من ذلك، وسواد هؤلاء لا يملك إنتاجاً يستحق التنويه أو مجرد الذكر. والخطاطون الذين طفوا على السطح وصار لهم ظهور في الأعوام الأخيرة ما كان -في أغلبهم- لأحد عليهم فضل في ذلك، وإنما حفروا أسماءهم بما بذلوه من جهود خاصة. وما يحز في النفس أنهم يجدون في الملتقيات الدولية كل تقدير واحترام، بينما إذا عادوا إلى بلدهم ظلوا نكرات لا يهتم بهم أحد. وما يُحمد عليه البعض منهم أنه رغم كل ذلك لا يزال مصراً على الإنتاج والعطاء، لأن الدوافع التي تحركه أقوى من هذه اللامبالاة المقيتة التي تحيط به.
أقول هذا دون تجاهل للجهد الذي تبذله الجمعية التونسية لفنون الخط في سبيل المساهمة في سد هذا الفراغ الرهيب بتنظيم معرضها السنوي والإشراف على الدورات التكوينية.
كيف يتسنى لنا الخروج بالخط العربي من أقبية المساجد والقصور إلى ثقافة بصرية تحتفي بالصورة وجمالياتها؟
بل هذه الأقبية والقصور هي التي ظلت من جملة المصادر الأساسية التي نهل منها الخطاط لدراسة هذا الخط أو ذاك لإحيائه أو جعله منطلقاً لابتكارات جديدة خرج بها إلى العلن دون تردد، وعلى محامل متنوعة، لتصبح متداولة بين عموم الناس، وشيئاً من رصيدهم الثقافي، ولو لم يتخذ هذا المنحى الجريء ما عرف الخط تطوراً على ممر تاريخه الطويل.
ماهي أبرز الإشكاليات التي تواجه فن الخط اليوم في عالمنا العربي برأيك؟
مهرجانات.. وملتقيات.. ومعارض.. ومسابقات.. وجوائز.. ودورات تكوينية.. ومحاضرات.. وورش.. وزيارات ميدانية.. هذه جملة من الملامح الحركية التي اتسمت بها الساحة الخطية في العالم العربي والإسلامي خلال العقود الأخيرة، والتي تشهد أن الخط العربي يعيش يقظة أثمرت جيلاً جديداً تميز في كل الخطوط تقريباً، والفضل في ذلك يعود الى عوامل عدة أبرزها:
1 - الشعور بضرورة العودة إلى الجذور الضاربة في القدم لمواجهة عولمة يريد أصحابها طمس هويات الشعوب، وتدجينها تحت المظلة الغربية.
2 - الإشراف المباشر للدوائر الثقافية في عدد من البلدان الحريصة على المحافظة على هويتها.
3 - الهمة العالية التي يتميز بها الخطاطون في بعض الأقطار ما ساعدهم على تكوين لوبي ضاغط يشعر بضرورة إيلاء هذا القطاع الاهتمام الذي يستحق.
4 - المسابقات التي حركت السواكن لدى هواة الخط العربي فتحفزوا للعمل بكثير من الجد.
والمؤسف أن ملامح هذه الحياة الجديدة ليست متجانسة في كل بلداننا الاسلامية، ومن ذلك ما تشهده الجزائر أو المغرب أو بعض دول جنوب آسيا أو دول الخليج من طفرات هائلة ظهر معها جيل من الخطاطين المتميزين بأعداد وفيرة مع تفاوت في الأهمية طبعاً. وتجد في المقابل أقطاراً أخرى يشكو فيها الخط تهميشاً مقصوداً، أو تقاعساً من الخطاطين أنفسهم جعلهم عاجزين عن فرض أنفسهم على الساحة الثقافية، بدءاً بالخطاطين التاريخيين الذين لا ينتجون بما يشهد بأن لهم نبضاً ما، وانتهاء بالأجيال الجديدة التي لم تحظ بما يكفيها من الرعاية والمتابعة والتشجيع فركنت إلى الخمول.
 ماذا قدم نجا المهداوي للحروفيين في تونس وخارجها؟
نجا المهداوي -حفظه الله- هو هرم، ترك بصمة متميزة في عالم الفن التشكيلي، ما ادعى يوماً أنه خطاط، بل كثيراً ما أكد أنه رسام وجد ضالته في الحروف العربية وتحديداً في تلك الملامح الراقصة منها، ملامح هيأت له مساراً جديداً ومساحات رحبة للإبداع فقدم من الإنجازات ما تناقلت أخباره الركبان داخل البلد وخارجه، ذاع صيته وصار مصدر إلهام لعدد من الحروفيين الجدد، وسيظل حيناً من الدهر علامة فارقة في الفن التشكيلي المعاصر بما قدمه من نماذج فنية جمع فيها بين أصالة الجذور التي استلهم منها منجزه وما استحدثه من تشكيلات حين تخلص من الصور النمطية القديمة وبحث عن مواطن الجمال في دروب لم يطرقها من سبقه في هذا الميدان التشكيلي.. فلله دره.
متاحف الفن الإسلامي: مواجهة الإسلاموفوبيا أم تأكيدها؟
ظاهرة التخوف من الإسلام التي انتشرت بين الغربيين كانت وليدة التشويه المستمر للإسلام وتاريخ المسلمين بأساليب ماكرة يضيق المجال هنا عن التفصيل فيها كل ذلك لتنفير الناس منه على أمل تحقيق انتصارات لم يحققوها أيام الحروب الصليبية، ووليدة فهم قاصر لديننا الحنيف تملكَ عقول قطاعات كبيرة من أبناء جلدتنا فقدموا صوراً مشوهة للإسلام والمسلمين خصوصاً أيام عصور الانحطاط.. صور غذتها بعد ذلك دوائر في الغرب تكن عداء قديماً متوارثاً لتزيد في الطين بلة، وتكرس أجواء مناسبة في المجتمعات الإسلامية حتى تتنكر لأصولها ومصادر عزتها، ومن ثَم تسقط في مهاوي البؤس الذي يضمن للغرب نشر نفوذه وإحكام سيطرته عليها على مختلف الأصعدة وتركها سوقاً لترويج منتجاته دون أن يجد اعتراضاً أو يرفع في وجهه سلاحاً.
ديننا جاء رحمة للعالمين. جاء ليحرر البشر. ومقارعة الظلم بكل أنواعه. جاء ليسوي بين الناس جميعاً ويرسي بينهم العلاقات الإنسانية الراقية. جاء ليفجر طاقات الإنسان حتى يكون وجوده عامل بناء وإعمار كما قرره خالقه. والحضارة التي أسسها الرواد الأوائل عاشت الإنسانية في ظلالها الوارفة قروناً مديدة، ولا ينكر فضلها إلا جاهل أو جاحد. وقد تزامن ازدهارها مع دياجير الظلام التي كانت تتخبط فيه الشعوب الأوروبية.
ومتاحف الفنون الإسلامية عبر العالم إلى جانب النصوص التاريخية الموثوقة، تشهد بذلك، وتشهد بزيف المزاعم الغربية، وبأن التخوف من الإسلام هو بالونة صنعها الغرب ذاته لتحقيق ما أشرت إليه من أهداف.
فيم تكمن أهمية تنظيم معارض دولية للخط العربي؟
تنظيم معارض للخط العربي هو من الضرورة بمكان، وذلك للتأكيد على أن هذا الفن يمثل أحد الروافد التي تضيف إلى الثقافة الإنسانية ثراء وعمقاً، ولا غنى للمرء عن الاطلاع من حين إلى آخر على ما يجري في الساحات الخطية من تطورات، حتى يتهيأ لذوقه ارتقاء تدريجي ولحسه الجمالي مزيد من التهذيب، الأمر الذي سيؤثر على مجرى حياته أثناء التعامل مع محيطه بصورة أو بأخرى في مراحل موالية.
الخط العربي وجه حضاري مشرق، وتنظيم معارض له إشارة إلى الحرص الشديد على المساهمة في المحافظة على ملامح حضارتنا العربية الإسلامية. ومحاولة جادة للصمود أمام عنف قصف العولمة خلال العقود الأخيرة لتظل علاقتنا بجذورنا ثابتة رغم أنف المعتدي.
تنظيم معارض للخط العربي يهيئ للعارضين تبادل الخبرات بين بعضهم البعض، تأكيداً لما لديهم من قناعة بأن الإبداع البشري بحر لا ساحل له، واستكشاف تجارب الآخر سيرفع من رصيدهم المعرفي، ويحفزهم على تعديل مساراتهم، والشروع في انطلاقة جديدة خالية من كثير من غبش المرحلة السابقة، مستأنسين في ذلك بإيجابيات ما اطلعوا عليه من منجزات رفاق الميدان.
تنظيم معارض للخط العربي يولد في وجدان الزائر شعوراً متصاعداً وقناعة بأن هذا القطاع الفني له أيضاً مساهمته في دفع عجلة الحياة، سواء بسواء مع بقية القطاعات التي تتقدم متظافرة لأداء هذه المهمة. ومن هنا ينظر إلى الفنان باحترام وتقدير بالغين، حتى إذا عن له الانخراط في هذا الميدان تقدم بثقة تامة ودون استهانة باللبنة التي بين يديه ليضعها في الحيز المكاني المناسب.
ينجز الفنان لوحته لا ليعبر بها عن حديث نفسه فقط، وإنما ليتواصل مع الآخر بأسلوبه الخاص. ومن حق هذا الآخر أن يفهم الرسالة ويتفاعل مع مضامينها بإيجابية تدفعه أحياناً إلى طلب اقتنائها وضمها إلى أشيائه الخاصة التي يعتز بها. وتنظيم المعارض الخطية تتيح له هذه الفرصة الذهبية، كما تتيح للفنان ذاته قدراً من العائدات المادية يساهم في مساعدته على استمرارية العطاء والإبداع. وهذا من أخص حقوقه التي لا تغض من قدره المطالبة بها.
 كيف كانت مشاركتك في مهرجان الفنون الإسلامية لهذا العام؟
لما وُجهت إلي دعوة المشاركة في المهرجان طُلب مني أن أتقدم باثني عشر عملاً فاستجبت، مراوحاً في اختياري للوحات المشاركة بين الكتابة التقليدية بأسلوب علي الوراق، والتراكيب الحديثة المستوحاة من الكوفي القيرواني التي كان حضورها هو المسيطر ومحاولة خوض غمار عالم الحروفية بتجربة لا تزال في المهد.
وفي العموم.. هذه فرصة جديدة للتعريف بهذا الخط الأصيل بإخراجه من وضعه المتحفي وتقديمه إلى حلبة التنافس مع الخطوط المتداولة الأخرى مرتدياً ثوباً عصرياً محدثاً. وهكذا تنشأ تدريجياً ملامح الخصوصية الخطية لبلادنا، تحقيقاً لحلم ظل يراود جانباً من المهتمين بالشأن الخطي في ربوعنا. ومع ضم أعمال خطاطنا عمر الجمني تبدو التجربة التونسية في هذا المهرجان لافتة للنظر بتميزها الواضح وما فيها من إضافة جديرة بإثراء المكتبة الخطية في العالمين العربي والإسلامي.
هذا دون الإغفال عن الورشة التي تحدثت خلالها عن الخط الكوفي القيرواني ومسيرتي معه بشيء من التفصيل، ثم مضيت إلى الكتابة المباشرة أمام الحاضرين بالخط نفسه، فكان هناك تفاعل إيجابي مع الحدث ما حدا بالبعض إلى التعهد بالانخراط في دراسته عبر شبكة التواصل الاجتماعي. ولاريب في أن هذا شيء مما كنت أهدف إليه دائماً.
هل عامر بن جدو راض عن المستوى الذي وصل إليه في هذا المجال؟ وماهي النصيحة التي تتوجه بها إلى هواة الخط العربي من الشباب؟
قلت في خاتمة مقدمة كراسي التعليمي -ولن أزيد على ما قلت-: (لن أدعي الكمال فيما قدمت، وإنما حسبي من عملي أنه مجرد محاولة للمساهمة في إحياء هذا التراث المجيد، قد تفتح الباب لمساهمات أخرى فيها مزيد من الثراء والعمق).
وأنصح كل الخطاطين الشبان أن يغتنموا هذه المرحلة الزاهرة من أعمارهم في الدراسة والمساهمات الجدية في الإبداع الفني وأن يظلوا على حركيتهم وطموحهم وارتفاع هممهم حتى يكونوا في صدارة رواد هذا الميدان. إن أمل كل أمة تطمح إلى النهوض، معقود في نواصي شبابها، هذا القلب النابض، فليكن توجههم العملي مسؤولاً وفي مستوى هذه المرحلة.
وأما المبتدئ الذي يريد أن يصل إلى مرحلة الاحتراف بكل استحقاق، لا غنى له عن أمور أساسية هي على التوالي: وضوح في الهدف، ورغبة ملحة لا تقبل التردد أو التهاون، وسعة اطلاع عما يدور في الفضاءات الخطية، وجلوس بين يدي أستاذ مرشد، وطاعة مطلقة له عن وعي واقتناع، ودقة ملاحظة، وقدرة على تشريح الحروف، ومواظبة على التدريبات، ونقد ذاتي دقيق، وتواضع لا تشوبه شائبة كبر، وتأن لا تشوبه شائبة استعجال.

ذو صلة