مجلة شهرية - العدد (528)  | سبتمبر 2020 م- محرم 1442 هـ

الروائية ريم الكمالي: أنا روائية الروح

حاورها: عبدالرحمن الخضيري: الرياض


لا أتعجب من عشاق الروايات وهم يتحسسون آثاراً تدلهم إلى عوالم كتابهم المفضلين الخاصة، يجتهدون كثيراً في عقد المقارنات مع أبطال وشخصيات تلك الروايات مع كتابها لعل زلة قلم تتحول إلى نافذة غرفة نوم هذا الروائي أو تلك، نجمة حوارنا الروائية الإماراتية ريم الكمالي تحدثت للمجلة العربية بصراحة وهي تصف حالها بين لذة الكتابة ولوعاتها قائلة: لابد وأن يسقط مني شيء هنا أو هناك في ذاك البطل أو تلك مطالبة لغتها بالغفران إن غفت على ذاتها بين أوراقها.
ريم الكمالي روائية تتقدم بقوة وبخطوات ثابتة استطاعت أن تضع لها بصمة مميزة في الرواية الخليجية والعربية في فترة قصيرة توجتها بجائزتين مرموقتين (العويس) في عام 2015 م و(الشارقة) في عام 2018 م عن منجزها الإبداعي الروائي. بدأنا التعارف أمام مصعد كهربائي في أحد فنادق الخليج في مناسبة ثقافية ليبدأ بعدها حديث طويل عن الرواية والروائية والكتابة والصحافة، لم يزعجها رأيي في روايتها الأخيرة (تمثال دلما) مقارنة بروايتها الأولى (سلطنة هرمز) واستقبلت أسئلتي بكل ترحاب وكان الحوار:
جعلت القارئ يعيش حيرة بطل روايتك (تمثال دلما) النحات نورتا باختيار موقع العين ومدلولاته. هل هذا مقصود أم من ضرورات نهج الرواية؟
نورتا الدلماوي بطل الرواية شابٌ وسيم جداً وفقير جداً، كما أنه موهوب ومتنبئ، لذا يتم اختياره بأن يرسل في بعثة لدراسة الكهانة سنوات عديدة في أوروك المدينة الحاضرة والمتقدمة حينها في جنوب العراق والتي تبعد في مساحتها عن شط العرب والخليج عشرات الأميال فقط، لكنه هناك يتعرف على كاهن متمرد جداً، لم يعد يعنيه من الكهانة شيء ولا المجتمع ولا ما يجري، ليصبح حراً تماماً مع نفسه، ولكنه منبوذ من الجميع، يتأثر نورتا بأفكار هذا المتمرد، لكن الأفكار تصبح في داخله ولا يبوح بها بعد عودته إلا لنفسه، فيصبح متناقضاً مع الدين بين أن يكون مع أو ضد، وبالتالي تنعكس تناقضاته تلك مع التمثال الذي ينحته لدلما ولشخصية سيرارا أو الصيرورة وهي إلهة الخليج الأنثى في العهود السومرية، ويحتار أثناء النحت في نحت عينيها، فأي عين يجب أن تكون، نظرة الرحمة والمغفرة وهي تنظر للأعلى كبقية التماثيل التي تصور الآلهات في نظراتهم إلى المدى ورحمة الكواكب في السماء؟ أم تنظر إلى الإنسان الواقف والمواجه؟ كان البطل حيرانَ بين أن يصنع تمثالاً يصورهُ إلهاً، أو يتمرد ويؤنسنه أي يجعله إنساناً بوصفه الأهم. كان هذا مدخلاً فلسفياً فنياً لأساعد نفسي كروائية في المضي بالسرد، ولأضع مدلولات العين الدائرة وعالم الاحتمالات والخيال المستحيل، حتى يفسر القارئ كما يشاء هذا الخيال المظلم والمستنير.
ألم تخشي ملل القراء أو عزوفهم عن إكمال روايتك لكثرة تفاصيلها؟
الرواية الحقيقة عالم من التفاصيل، والتفاصيل هي نحن، بوصفنا بشراً لديه مخزون ثقافي كبير من أغراض اجتماعية وسياسية واقتصادية وفنون وأمور كلها تتجدد وتتحول إلى منتج، والرواية اليوم برأيي صناعة ثقافية وأدبية تساعد على بناء المجتمعات وتطور إحساساها وتفتح ضمائرها لتضيء الحقائق، إذن فالرواية حياة لا خبراً صحفياً أوشفهياً أو تقريراً، ولا يجب أن تكون رواية تشويقية تجارية، فالقراءة في أصلها صبر جميل وعمل عميق لا تسلية.
أيضاً روايتك (تمثال دلما) أستشعر من داخلها أجواء عميقة تمتع القارئ وتثقفه هل أعتبرها لبنة أولى لمشروع أدبي حافل لريم؟
يُطلق على رواياتي بأنها تاريخية، لكن في الحقيقة أبطالي من الخيال وليسوا حقيقيين، وكذلك الحكاية والحبكة، والأهم الفكرة، كلها صناعة متخيلة، لكن كل ما هناك بأنني أختار زمناً بعيداً بشرط أن يكون متحولاً أو على وشك الانتهاء من حقبتها لتأتي حقبة ثانية، وشخصية شهيرة من ذلك التاريخ أقحمه من بعيد كسبب من الأسباب، لذا تستطيع أن تقول إن تمثال دلما مشروع أدبي بحت.
 هل تعدِّين القالب التراثي نوعاً من تأصيل الرواية العربية؟
كل الحكايات الحقيقية والخيالية قائمة على التراث، سواء الروايات المعاصرة أو التاريخية أو السياسية أو الجغرافية أو النفسية... ومهما صنف القراء أو النقاد الرواية، فهي قائمة على شخوص بعاداتها وتقاليدها ورقصاتها وموسيقاها وأعيادها وألعابها... فلا غنى للرواية عن التراث الذي يعد من جذور الفكرة الأدبية، وحضارة سردية تغوص في تقلباتنا.
هل تودين أن تحدثينا أكثر عن الأمكنة في أعمالك هل تختارينها أولاً أم تقودك الشخصيات لها؟
في أعمالي السابقة واللاحقة ستكون الأمكنة مجهولة، وكذلك الشخصيات، لأتدخل في شخصياتهم وبالتالي أحدد هوياتهم وما يتعرضون له من تهديد وجودي، ونحن في الواقع نجد في واقعنا أسماء لأمكنة نعرفها ولا نعرفها، نراها ولا نراها... هي تلك الأمكنة المجهولة التي أعنيها والتي تستفزني كروائية.
بين لذة الكتابة وعذاباتها هل حققت ذاتك عبر السرد؟
لا بد أن يسقط مني شيء هنا أو هناك وفي ذاك البطل أو تلك. أبقى إنسانة بسيطة في داخلي قبل أن أكون كاتبة معرفية تُعبر عن الآخرين خيالاً وترويهم حباً وصدقاً... لذا أطلب من لغتي أن تغفر لي إن غفوت على ذاتي في بعض الصفحات.
هل ساهم عملك كصحفية بكتابة الرواية وكيف؟
الصحافة علم راقٍ قبل أن تكون مهنة، وأنا لستُ صحفية ولم أدرس الصحافة، بل درست التاريخ وصقلت نفسي في الآثار والتاريخ القديم، وكنت قد توظفت بعد التخرج في صحيفة البيان الإماراتية العريقة كمنفذة في صفحاتها وهذا عمل فني بصري دقيق، أما مساءً فكنت أعمل على الرواية (سلطنة هرمز) بين منزلي والمقاهي، وبعد الإصدار طلبتْ مني رئيسة تحرير الجريدة السيدة منى أبو سمرة الانضمام إلى القسم الثقافي ومنحي زاوية لمقال وصفحة ثقافية لأحررها، وفي الحقيقة كانت فرصة رائعة للإضافة والتمرين، فأصبحت أراني كاتبة صحفية بعد أن اعتقدت أنني روائية الروح واللغة فقط، وهكذا حتى وجدت نفسي أصنع الحوارات وبعض الأخبار الثقافية، لكن باختصار أتيت إلى التحرير الثقافي من باب الأدب الروائي وليس العكس.
فوزك بجائزتين (العويس 2015م الشارقة 2018م) في الإبداع الروائي ماذا يعني لك؟
الجائزتان محفزتان لي بشكل كبير، وأشكر لجانهما باختيارهم كتبي، وأؤكد أولاً وأخيراً تقديري للقائمين عليهما.

ذو صلة