مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

سمير الشهابي.. السعودي الذي ترأس الجمعية العامة للأمم المتحدة

محمد بن عبدالله السيف: الرياض


بدءاً من منتصف الأربعينات الميلادية، بدأت وزارة الخارجية في استقطاب عدد من الكفايات العربية المميّزة للعمل لديها، سواءً في مقرها الرئيس في مدينة جدة أو في المندوبية السعودية الدائمة في هيئة الأمم المتحدة. ويقف في طليعة هؤلاء المميزين جميل البارودي، اللبناني الأصل، الذي التحق في البعثة السعودية فور انضمام السعودية لهيئة الأمم المتحدة، تلاه الدكتور عمر حليق والدكتور عمر أبو خضرا، وغيرهم، وهؤلاء تم استقطابهم للعمل في أمريكا، ولم يعملوا في وزارة الخارجية في مقرها الرئيس. بينما يعد السفير سمير الشهابي من ألمع وأبرز من تم استقطابهم للعمل في وزارة الخارجية أولاً ثم في المنظمات الدولية تالياً، مروراً بالسفارة، هنا وهناك، لذلك جاءت تجربته مميّزة وثرية في العمل الدبلوماسي، الممتد خلال نصف قرن، توّجه بفوزه المستحق رئيساً للجمعية العامة للأمم المتحدة، كأول سعودي يشغل هذا المنصب الرفيع.



النشأة
ينتسب سمير الشهابي إلى الأُسرة الشهابية المقدسية العريقة، وهي أُسرة تلتقي نسباً مع الأُسرة الشهابية الشهيرة في بلاد الشام. وفي مدينة القدس، ولد سمير الشهابي عام 1925م، ونشأ فيها في ظل والده صبحي الشهابي، ودرس في مدرستها الرشيدية، التي تشكلت فيها شخصيته القومية، وكان مع زملائه الطلاب كثيراً ما يشاركون في المظاهرات الطلابية ضد الانتداب البريطاني.
كان والده أحد الوجوه المقدسية المعروفة، وكان صديقاً مقرباً من الحاج أمين الحسيني، وتولى فترة من الزمن إدارة الزراعة في غزة، وكان له تأثيره في تشكيل شخصية ابنه سمير، كما أن سمير تأثر أيضاً، بشخصية عمته زليخة الشهابي، المناضلة والناشطة الشهيرة، التي ساهمت في تأسيس (جمعية السيدات العربيات) في القدس، وشاركت في حضور (المؤتمر النسائي الشرقي) في القاهرة عام 1938م، لنصرة القضية الفلسطينية.
بعد تخرجه من الثانوية العامة عام 1943م، غادر القدس إلى بيروت والتحق بالجامعة الأمريكية، ثم واصل تعليمه في الجامعة الأمريكية في القاهرة وتخرج فيها عام 1946م، متخصصاً في الاقتصاد والعلوم السياسية، وكانت رغبته الجامحة أن يتخصص في القانون في جامعة كامبريدج، لكن ظروف الحرب العالمية الثانية حالت دون تحقيق حلمه. وبعد ذلك سافر إلى جامعة ييل في أمريكا ودرس فيها لمدة سنة عاد بعدها إلى جامعة كامبريدج، ليحقق رغبته في الدراسة فيها، لكن وقفت الظروف دون تحقيق حلمه، أيضاً.



القدوم إلى السعودية
في قدوم سمير الشهابي إلى السعودية أقوال ثلاثة، فهو نفسه، يذكر كما في مقابلته مع مجلة (الرجل) أن صديق والده الحاج أمين الحسيني هو الذي نصحه بالتوجه إلى السعودية والعمل فيها. في حين يذكر الدكتور خير الدين عبدالرحمن في كتابه (ما بين الثورة والدبلوماسية) أنه التقى في دولة الصومال بسمير الشهابي، الذي كان يعمل وقتها سفيراً للسعودية، وأنه ذكر له أن والده صبحي الشهابي كان الطبيب الخاص للملك عبدالعزيز آل سعود، مما أكسبه الجنسية ومن ثمَّ المنصب! بينما يرى الدكتور حازم نسيبة أن الشيخ يوسف ياسين كان صديقاً لصبحي الشهابي، وهو الذي عرَّف ابنه سمير على السعودية.
يرى الأستاذ علي بن سمير الشهابي، أنه باستثناء المعلومة الخاطئة التي ذكرها الدكتور خير الدين عبدالرحمن بأن جده كان طبيباً للملك عبدالعزيز، إذ لم يكن طبيباً في الأصل، فإنه يمكن الجمع بين هذه الأقوال الثلاثة، من حيث أن جده صبحي الشهابي كان قد زار الرياض في حدود عام 1935م، وقابل الملك عبدالعزيز، بتوصية من الشيخ عبدالعزيز الكحيمي، وأنه كان ينوي العمل مع الملك عبدالعزيز لولا ظروف مرضية حالت دون ذلك، وهو أيضاً صديق لعدد من مستشاري الملك عبدالعزيز، وبخاصة الشيخ يوسف ياسين، إضافة إلى علاقته الوثيقة والمتينة مع الحاج أمين الحسيني، وأنه نتيجة لهذه العلائق، فقد قدِم والده سمير الشهابي إلى السعودية والتحق بالعمل فيها.
فور وصول الشهابي إلى مدينة جدة، قدم أمين الحسيني لأداء فريضة الحج، فكان الشهابي يصحبه في تنقلاته، وقد رافقه في زيارة الملك عبدالعزيز في ثاني أيام عيد الحج الأكبر. يقول سمير: «كانت فرصة لأرى ذلك الطود الشامخ الذي خرج من قلب الصحراء بكل المعاني، كان ذا رؤية عميقة وكانت كل كلمة يقولها تزن ما تزن».
يذكر حازم نسيبة أن الأمير (الملك) فيصل بن عبدالعزيز قدّر في سمير الشهابي إحاطته الواسعة بالقانون الوضعي والدولي، فعهد إليه بأصعب وأدق المهمات، وبالأخص في البلدان الإسلامية التي كانت تعاني من أزمات طاحنة كباكستان والصومال وأهمية إقليمية كتركيا، فأدى الأمانة على أحسن ما يكون الأداء، بصمت وانضباط عاليين أكسباه ثقة الجميع.
وفي لحظة صفاء، سأل علي الشهابي والده، ما الذي دفعه للعمل في السعودية، وهو الذي درس في أرقى الجامعات العربية والغربية، مثل جامعتي: ييل وكامبريدج، وحين قدومه كان خاطباً فتاةً نرويجية، فالبقاء  في الغرب والعمل هناك ميسَّر وسهل إضافة إلى الظروف الاجتماعية المختلفة التي ستعيشها زوجته، فكان ردّ والده أن الناس آنذاك كانوا ينظرون بعين التقدير والإجلال للملك عبدالعزيز، الذي وحَّد أغلب أجزاء شبه الجزيرة العربية، وكان يُنظر إليه باعتباره ملك العرب، فكان الأمل هو العمل معه وفي ظل دولته.
***



باشر سمير الشهابي عمله في وزارة الخارجية السعودية عام 1949م، ثم انتقل للعمل في سويسرا عام 1957م، ومنها انتقل إلى روما سنة 1959م، قائماً بالأعمال. وفي عام 1960م، كان الشيخ حمد الجاسر في روما باحثاً منقباً في مخطوطات مكتباتها ومراكزها البحثية، وقد زار سمير الشهابي في السفارة السعودية، الذي مهَّد له زيارة المعهد الشرقي، وفي المعهد التقى بعدد من المسؤولين والباحثين، ثمَّ إن الشهابي هيّأ له زيارة مكتبة الفاتيكان، وبعث معه الحسيني، من موظفي السفارة، لتسهيل مهمته. ولم يكتف الشهابي بذلك، بل دعا حمد الجاسر إلى حفلة غداء أقامها له بحضور عدد من الباحثين المرموقين. يقول حمد الجاسر: «أبى كرم الأستاذ سمير الشهابي إلا أن أُقيم إلى يوم الخميس، لكي يدعو بعض العلماء الذين يُعنون بالدراسات العربية إلى حفلة غداء في دار السفارة، وما كنتُ راغباً في ذلك، إلا أنَّ ما شاهدته من كرم خِلال الأستاذ الشهابي أبى عليَّ إلا أن أقابل دعوته الكريمة بالشكر والقبول». وكان من بين المدعوين المستشرق المعروف فرانشيسكو غبريلي، أستاذ الأدب العربي في جامعة روما، والمستشرقة ماريا نليتو، المهتمة بالشعر العربي الجاهلي.
وفي أكتوبر 1958 م، كان عضواً في الوفد السعودي إلى جامعة الدول العربية برئاسة السفير أسعد الفقيه، وعضوية طاهر رضوان ومحمد المرشد الزغيبي وعوني الدجاني ومحمد بصراوي.



في تركيا
في مطلع عام 1964م، صدر الأمر بتعيين الشهابي سفيراً في دولة تركيا خلفاً للشيخ صالح إسلام، وقبل سفره وجَّهه نائب الملك الأمير فيصل بن عبدالعزيز بأن العلاقات العربية التركية شبه مجمدة، وأوصاه بتنشيطها بما يحقق مصلحة الطرفين. وفي تركيا سلّم أوراق اعتماده لرئيس مجلس الوزراء عصمت باشا أينونو، المعروف بكرهه الشديد للعرب، لأنهم -حسب رأيه- هم السبب في هزيمة العثمانيين. وفي اللقاء الأول وما تلاه، دارت حوارات بين رئيس الوزراء والسفير السعودي عن الخلافات العربية التركية، وبيّن السفير السعودي أن من مصلحة الطرفين نسيان الماضي وفتح صفحة جديدة، وهذا ما رحّب به رئيس الوزراء التركي.
وحينما بويع الملك فيصل بن عبدالعزيز ملكاً على بلاده، اقترح السفير السعودي في أنقرة على الجهات المختصة أن ترسل تركيا وفداً رسمياً لتقديم التهنئة للملك الجديد، وفعلاً سافر وفد رسمي برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء، ووجد هذا الوفد من الملك فيصل كل ترحاب وإكرام، وجرت محادثات بين الدولتين، فكانت هذه هي الخطوة الأولى. بعدها أخذ السفير السعودي يُعد عدته من أجل ترتيب زيارة الملك فيصل بن عبدالعزيز إلى تركيا، لما سيكون لهذه الزيارة من أثر كبير لدى الشعب التركي، وبالفعل تحقق له ما أراد في أغسطس 1966م، لكنّ مشكلة بروتوكولية واجهته، بعد موافقة الطرفين على الزيارة، وهذه المشكلة تتعلق ببرنامج الزيارة، حيثُ أنَّ أي زيارة رسمية لدولة تركيا فإنها لا بد أن تبدأ من زيارة قبر مصطفى كمال أتاتورك، وغيرُ خافٍ أن الملك فيصل لن يقبل بذلك إطلاقاً، فذهب سمير الشهابي إلى وزير الداخلية حسين صبري شايلا يانفل، وأخبره بذلك وأن الملك فيصل لا يمكن له أن يزور مقامات، وفي حال الإصرار على ذلك، فإن الزيارة الملكية ستُلغى! فرد الوزير بأن هذا الأمر ليس من صلاحياته، وأنه يرى الرجوع بذلك إلى رئيس الحكومة سليمان ديميريل، فذهب إليه وعاد إلى الشهابي مخبراً إياه بأن رئيس الحكومة غير قادر على حسم الموضوع، وأنه لابد من إطلاع رئيس الجمهورية، جودت صوناي، على ذلك، وهو يتواجد حالياً في أزمير. وقد غادر وزير الداخلية أنقرة إلى أزمير لإحاطة رئيس الجمهورية بذلك، وأخْذ التوجيه، فعاد إلى السفير السعودي يخبره بموافقة رئيس الجمهورية على ما اقترحه الشهابي. وفي المؤتمر الصحافي الذي عقده الملك فيصل بن عبدالعزيز، في نهاية الزيارة، سأله الصحافيون الأتراك عن السبب في عدم زيارة قبر أتاتورك، فردّ قائلاً إن ترتيبات الزيارة هي من أعمال السفير، فاسألوه هو! وقد ردَّ الرئيس التركي زيارة الملك فيصل بأن قام بزيارة السعودية في العام التالي.
وفي عام 1969م، زار الأمير فهد بن عبدالعزيز دولة تركيا، وكان وقتها نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء ووزيراً للداخلية. ولمّا لم يكن في الدولة التركية منصب مماثل لمنصب النائب الثاني، قرروا أن يستقبله وزير الدولة، فذهب السفير السعودي إلى وزير الخارجية مبيناً له أنّ منصب وزير الدولة هو دون رتبة هذا المسؤول السعودي الرفيع، فلماذا لا تعطونه حقه؟! ونصحهم بأن يعطوه أهمية تفوق ما تقتضيه المراسيم. فذهب الوزير إلى رئيس الحكومة ليأخذ منه التوجيه، فعاد إلى سمير الشهابي يخبره بأن رئيس الحكومة نفسه، هو الذي سيكون على رأس مستقبليه مع جميع أركان حكومته، وكان لهذا الأمر أثره الطيب في نفس الأمير فهد، الذي حينما أصبح ملكاً زار سليمان ديميريل السعودية، فردّ له الملك فهد هذا الصنيع، وأعطاه أكثر من الاستقبال الذي تقضي به المراسم لرئيس حكومة.



في الصومال
على رأس القرن الأفريقي، وعلى مقربة من مضيق باب المندب، أعلن الرئيس الصومالي، محمد سياد بري، في عام 1969م، عن تقاربه مع الاتحاد السوفيتي، ومنح امتياز لشركة صيد أسماك سوفيتية كغطاء للتجسس في مياه مدخل البحر الأحمر، إضافة إلى قاعدة لغواصات سوفيتية في مدينة بربرة، فقرر الملك فيصل بن عبدالعزيز نقل سمير الشهابي من هضاب الأناضول إلى أدغال أفريقيا الشرقية، سفيراً سعودياً في الصومال، لاستجلاء الأمر ومعرفة ما الذي يمكن فعله مع هذا الذي بات يشكل خطراً على المنطقة.
وفي مقديشو، قدم السفير السعودي أوراق اعتماده للرئيس، الذي أمضى أكثر من ساعة ونصف يشرح للسفير الجديد نظرياته الاشتراكية، التي يرى سمير الشهابي أنها نظريات خاطئة وفق المنطق الاشتراكي نفسه! وبيَّن الرئيس بري للسفير السعودي أنَّ تحالفه مع الاتحاد السوفيتي جاء بناءً على نصيحة من الرئيس جمال عبدالناصر، الذي أوصى السوفيت به خيراً، وذلك بعدما رفضت أمريكا وبريطانيا بيعه السلاح.
ومن الطرائف التي ذكرها سمير الشهابي في لقائه بمجلة (الرجل) أن الرئيس الصومالي قال له إنه إذا أرسل عسكريين إلى موسكو للتدريب عادوا مناهضين للاتحاد السوفيتي، وإذا أرسل آخرين إلى إيطاليا عادوا شيوعيين! يقول سمير الشهابي في (الرجل): «بعد لقاءات عديدة معه، وجدتُ أنه ليس شيوعياً ولا اشتراكياً ولا ليبرالياً، وإنما كان كل همَّه أن يبقى في السلطة، ولو تعرض ابنه لسدة الحكم لصفاه». ويضيف الشهابي قائلاً: «كانت معرفته بالإسلام بسيطة وبالمسيحية لا شيء، وبغير المسيحية أقل من لا شيء. همه الأساس الحكم. لكن كان وزير خارجيته عمر عرته رجلاً فاضلاً وعروبياً. واقترحتُ عليه أن يزور الرئيس السعودية ويؤدي العمرة، على الأقل لدرء الحملات التي تشكك في إسلامه، وأبلغني بعد أيام برغبة بري في الزيارة، لكنه طلب تخصيص طائرة له، فحصلت على الموافقة، وانتهزتُ الفرصة لأقترح على الأخ عمر أن يطلب الصومال الانضمام إلى الجامعة العربية بصفة عضو مراقب ليستفيد من القروض والمساعدات.. فأعجبته الفكرة. وفي ختام زيارته للسعودية صدر بيان مفاده أن السعودية تؤيد طلب الصومال الانضمام للجامعة العربية، ويبدو أن الرئيس طالب بالعضوية الكاملة».
لم تتجاوز فترة عمل سمير الشهابي في الصومال الأشهر الستة، فقد كانت مهمة إنقاذ لهذا الرئيس الذي ارتمى فجأة في الحضن الشيوعي، وقد نجحت السعودية في دعمه واحتوائه وإدخاله في الجامعة العربية، وهو ما كسر عزلته وأشعره بوجوده.
عاد الشهابي من الصومال إلى ديوان وزارة الخارجية سفيراً مكلفاً بعدد من المهام، وحسب ما يذكر السفير الشهابي، فقد كان قريباً من الملك فيصل، الذي كان وقتها وزيراً للخارجية، وكان يتناول الغداء معه يومياً في الأسبوعين الأخيرين قبل استشهاده، وذات يوم استأذنه للسفر إلى لبنان، وحينما وصل إلى بيروت بلغه الخبر الأليم، فعاد على الفور.



من نيويورك إلى باكستان وإليها
بعد تولي الأمير سعود الفيصل وزارة الخارجية عمل معه السفير الشهابي، وأشرف على وكالة الشؤون المالية والإدارية في الوزارة. وكان يقوم بمهام دبلوماسية عديدة، وقد كلَّفه الأمير سعود بإعادة هيكلة وزارة الخارجية، وترأس وفد السعودية إلى اجتماعات الدورة السادسة للجنة الاقتصادية غرب آسيا (الأكوا) في بغداد. وفي مارس 1979م، توفي جميل البارودي، المندوب السعودي الدائم في هيئة الأمم المتحدة، فصدر الأمر بتعيين سمير الشهابي مندوباً لدى الأمم المتحدة، ومن أخباره في الأمم المتحدة ما نشرته صحيفة (الشرق الأوسط) أن سمير الشهابي ردَّ بقوة على المندوب الإسرائيلي، متهماً إيَّاه بتزوير الحقائق في حديثه عن السعودية وأنها عدوة السلام! وفي نوفمبر 1979 ألقى خطاباً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة تناول فيه تدهور الأوضاع في فلسطين، مندداً بالعدوان المستمر على القدس والأماكن المقدسة فيها. وفي ديسمبر، ومن على المنصة الأُممية، صرَّح بأن السعودية ترفض أيَّ اتفاقية سلام جزئية.
وبينما كان الشهابي يُخاطب العالم من منبره الأُممي نهاية 1979م، اجتاحت القوات السوفيتية الأراضي الأفغانية، فهرع الرئيس الباكستاني ضياء الحق فجراً إلى هاتفه في مكالمة طويلة مع ولي العهد السعودي، الأمير فهد بن عبدالعزيز، طالباً منه سرعة إيفاد سفير إلى باكستان، لشغور المنصب آنذاك، فأوفد الأمير فهد بن عبدالعزيز، وعلى وجه السرعة، سمير الشهابي، وخصّص له طائرة خاصة تنقله إلى باكستان، قائلاً له إن مهمته لن تستغرق أكثر من ثلاثة أشهر، لكنها طالت إلى سنوات ثلاث! ومع ذلك ظل منصب المندوب الدائم شاغراً بانتظار عودة الشهابي، وظل السفير جعفر اللقّاني، الذي كان يساعد جميل البارودي، قائماً بأعمال المندوب الدائم طيلة هذه السنوات الثلاث.
في باكستان عمل الشهابي مع الرئيس الباكستاني الذي تربطه معه علاقة حميمة ووثيقة، ومع الحكومة الباكستانية على إنشاء حلف عسكري لمواجهة هذا الغزو السوفيتي.
وفي عام 1983م، عاد الشهابي إلى عمله مندوباً دائماً للسعودية في الأمم المتحدة، وهنا بدأت الصحف العالمية والعربية تغطي أخباره وتصريحاته، ليُضاف الملف الأفغاني إلى جدول أعماله، وفي نوفمبر 1983م، ألقى كلمة في الأمم المتحدة ندّد فيها بالغزو السوفيتي لأفغانستان، مطالباً بالانسحاب الفوري.
وفي عام 1985م، عمل سمير الشهابي على تأسيس المجموعة العربية في الأمم المتحدة، والتي تضمّ المندوبين العرب، الحاليين والسابقين، وأصبح رئيساً لها. ثم تطورت هذه المجموعة لتصبح جمعية دولية، بعد عام 2000م حينما نسَّق الشهابي، بعد تقاعده عن العمل الرسمي، مع عدد من السفراء والمندوبين العرب السابقين، لتشكيل جمعية تعبّر عن صوتها لما فيه خدمة العرب، بعيداً عن الحكومات، وعَقد لقاءً تأسيسياً في مزرعته في البرتغال، وضم اللقاء عبدالله صلاح، وزير سابق للخارجية الأردنية، وأحمد السنوسي، مندوب سابق للمغرب، وحسين جودي، مندوب سابق للجزائر، ونبيل العربي، مندوب سابق لمصر، وخليل مكاوي، مندوب سابق للبنان، ووضِع النظام الأساسي للجمعية، واُتخذ من بيروت مقراً لها.
وفي عام 1990م، اجتاح الرئيس العراقي صدام حسين دولة الكويت، فبذل الشهابي كل وقته وجهده في الأمم المتحدة لتبيان الموقف الصحيح والعادل في هذه القضية. وقد نشرت صحيفة (الشرق الأوسط) تحقيقاً أعده مندوبها في نيويورك الزميل خليل مطر، بعنوان (وجوه عايشت أيام الزلزال من قاعات الأمم المتحدة)، تناول التحقيق الصحافي جهود الأمين العام خافيير بيريز دي كويلار، والمندوب الأمريكي والمندوب الروسي، ومندوب السعودية، الذي قال عنه خليل مطر: «عندما جاء إلى الأمم المتحدة لم يكن ليتصور أنه سيعمل في مواجهة دولة عربية أخرى، حاملاً التلفون اللاسلكي أينما ذهب. كان محوراً للعمل الدبلوماسي السعودي في الأمم المتحدة ومجلس الأمن. لم يتخلف عن حضور أي جلسة من جلسات مجلس الأمن، متحدثاً أمامه، ونشيطاً في أروقته».



إلى القمة
في سبتمبر 1991م، استطاع السفير سمير الشهابي، وسط منافسة قوية مع ثلاثة مرشحين، أن يحقق فوزاً كاسحاً، وأن يتولى رئاسة الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة، كأول سعودي يحقق هذا الإنجاز. وقد فاز الشهابي بأكثرية الأصوات، حيث حصد 83 صوتاً، رغم أن جميع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن صوتت ضده، إضافة إلى دول الكومنويلث. وكانت صحيفة (نيويورك تايمز) ظهرت في صباح ذلك اليوم، وعلى صفحتها الأولى، بمانشيت عنوانه (سيسقط المرشح السعودي)، لكنه خيّب آمالها وفاز، وافتتحت الدورة السادسة والأربعين برئاسته. وخلال رئاسته للجمعية العامة أصبحت أخباره تتصدر الصحف العالمية لتغطية أخباره ونشاطاته ورحلاته المكوكية، فقد زار، مثلاً، الكويت، بصفته رئيساً للجمعية العامة، ووقف على الجرائم التي ارتكبها النظام العراقي بحق الشعب الكويتي، كما وقف على حقول النفط المشتعلة، والتقى بالشيخ جابر الأحمد، وبولي عهده الشيخ سعد العبدالله، وزار اليابان والصين، ومصر، كما زار البوسنة والهرسك، وهو الذي وقف خلف دخولها عضواً في الأمم المتحدة.
وخلال عمله رئيساً للجمعية العامة، عمل على تأسيس (جمعية رؤساء الجمعية العامة)، وذلك بحكم أن عدداً من الرؤساء يأتون من خارج هيئة الأمم، فيأتون إلى عالم جديد عليهم، ويقضون وقتاً للتعرف على دهاليز العمل، لذلك جاءت هذه الفكرة في ذهن الشهابي، الذي بدأها في نيويورك، وأكملها حينما انتقل سفيراً لبلاده في سويسرا، ليُعقد الاجتماع التأسيسي عام 1997م، في نيويورك، الذي أُقر من خلاله النظام الأساسي للجمعية، وانتُخب الشهابي رئيساً لها لفترتين متتاليتين.
وطيلة عمله في هيئة الأمم المتحدة، حمل الشهابي ملفات أمته العربية، وبخاصة ملف القضية الفلسطينية، على عاتقه، وقدّم أنموذجاً للدبلوماسية السعودية المرموقة، مدافعاً عن بلاده وراعياً لمصالحها.
***
في نهاية الثمانيات، كان الشهابي قد اتخذ مزرعة في البرتغال، بعد أن دعاه زميله مندوب البرتغال في الأمم المتحدة، فأُعجب بها، واتخذها مأوى له في إجازاته، وبعد تقاعده اتخذها مستقراً له، ولزوجته النرويجية، التي تعرّف إليها حينما كان طالباً في جامعة كامبريدج، وقد جاءت إلى الجامعة لتدرس اللغة الإنجليزية، فتقدّم لخطبتها، وأثناء فترة الخطوبة، كانت تقرأ عن السعودية، وعن تاريخها الحديث، وقرأت في كتاب (لورنس) أن النوافذ في بيوت مدينة جدة دون زجاج، فاستغربت هذا الأمر، وسألت خطيبها عن ذلك، فقال لها: هذا غير صحيح، لا تصدقيه فيما قال! وكانت مفاجأتها أنها بعد الزواج، وفور وصولها إلى مدينة جدة، سكنت في بيت ليس لنوافذه زجاج! فما لبثت، منذ تلك الحادثة، تنال من ساحته المنيعة ومن ناحيته الحصينة إلى سنة وفاته 2010م، حينما انتقل إلى رحمة ربه في منتجعه في دولة البرتغال.
وكان سمير الشهابي قد رُزق بولد وبنت. علي الذي درس في جامعة برينستون ثم جامعة هارفارد، وهو رجل أعمال وكاتب، متزوج من نادية ابنة المفكر الفلسطيني هشام شرابي، وله من الأبناء: عمر، ودينا، وفيصل. أما الابنة فهي سيرين، متزوجة من شاب لبناني، ولها من الأبناء: غياث، وسارة، وسامر، ودانا.

ذو صلة