مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

الهدف التنويري في الأدب الشعبي الألماني

اتسمت فترة القرن الثامن عشر بتقاطع العصور الأدبية، وأولى الألمان فيها اهتماماً خاصاً بالأدب الشعبي الألماني والخاص بالشعوب السلافية والإيرلندية. لقد مرت أزيد من مئتي عام على ظهور الحكايات الشعبية التي جمعها الأخوان غريم في أواخر القرن الثامن التي تندرج تحت تيار الرومانسية، وانتقلت إلى الكثير من الثقافات الأخرى حين قام الكتّاب العالميون باقتباس تلك الأساطير الخالدة وإلباسها الثوب المحلي بلغة بلدانهم، كما تحولت أغلب هذه الحكايات إلى أفلام يشاهدها الصغار والكبار، وتم تقديم تلك الحكايات للشعوب خارج ألمانيا ربما بشكل مختلف بعض الشيء عن النص الأصلي المكتوب باللغة الألمانية.
وقد اهتم الألمان بالأدب الشعبي واتخذوا نموذجاً لهم العصور الوسطى، حيث ساد الانسجام والإحساس بالأمان داخل نسق القيم والأخلاق. فاتجهوا إلى الماضي الجميل واهتموا بإعادة اكتشاف الكتب الشعبية في إطار الاهتمام بالماضي وكل ما له علاقة به.

هيردر ومصطلح (الأغاني الشعبية)
كان هيردر Herder أول من اكتشف مصطلح (الأغاني الشعبية) في كتابه (أصوات الشعوب في الأغاني)، سنة 1778، والذي جمع فيه الكثير من الأغاني الشعبية للكثير من الشعوب، رغبةً منه في إيجاد روح الشعب الأصيلة. وأظهر هيردر اهتماماً جدّياً بالشعب وبالفن الشعبي بكل صوره، فالأمة محتاجة لأدب حقيقي طبيعي ووطني: إنه الأدب الشعبي والأدب الساخر القديم والأغاني الشعبية، لتعبر عن حساسية الشعب وروحه، وتكتشف جذور الأدب القومي.
ليسينغ والتنوير بالحكاية الخرافية
في سنة 1779 ظهرت مسرحية ليسينغ Lessing (ناتان الحكيم) بوصفها حاملة لمبادئ عصر الأنوار، وكتب ليسينغ منذ عام 1747 حكايات خرافية وقصصاً. وطالب ليسينغ في كتابه (محاولة لشرح الفابيولا) بأن يكتب الأدباء بشكل مختصر وجاد. ويقول عن الفابيولا: (إن لها فائدة معرفية، أي أن القارئ يمكن أن يستمد منها حكمة تعليمية).
والفابيولا (الحكاية الخرافية) تصور حدثاً مختصراً جداً، أبطاله في الأغلب من الحيوانات. وتعد الفابيولا من وسائل كفاح عصر الأنوار حيث يتردد في محتواها باستمرار حافز التواضع الذاتي، وهي تدعو إلى (أن تفكر، إذا ما كنت تشك في كل شيء، قبل أن تبدأ في تحقيق أحلامك)، فهي تشدد دائماً على العملية التربوية Erziehungsvorgang، فالحيوانات (الشخصيات) تتعلم وتأخذ الحكمة عبر التجربة الحياتية، يقول ليسينغ: (استعمل فهمك وطور إمكانياتك الفكرية بواسطة التعلم).
هكذا نكتشف أن أفكار الأنوار حاضرة دائماً، فمحتوى نصوص ليسينغ هو نداء لعقل القارئ: يطلب من القارئ القناعة، ويشجعه على التفكير العقلاني، وأيضاً يعمل على خدمة عقله، والنتيجة هي تربية القارئ، في إطار مبدأ تنويري أخلاقي، أي (تربية الجنس البشري Erziehung des Menschengeschlechts). إنّ ما يجعل الفابيولا تنويريةً وشعبية هو تأثيرها التربوي، أيضاً قصر النص هنا يجعلها الجنس الأدبي الأكثر ملاءمة لنشر أفكار عصر الأنوار بألمانيا وبأوروبا، من خلال الترجمات الفرنسية على الخصوص للحكايات الشعبية الألمانية.
فاوست يجمع بين الإيمان والتعلم
كتب جوته الحكاية الشعرية، وهي مسرحية فاوست الأصلية (1774)، وترجع أسطورة فاوست إلى القرن الخامس عشر، الذي عاش فيه الدكتور فاوستوس بوصفه شخصية تاريخية حقيقية، فعرف عنه عقده ميثاقاً مع الشيطان. وقد بدأت أسطورة فاوست وهو ما يزال على قيد الحياة، وراح الخيال الشعبي يؤلّف عنه الأساطير، وتناقل الناس أخبار سيرته على أنها نوادر مسلية. وقد انتقلت أسطورة فاوست من الشفاه إلى سجلات الكتب فتم تحرير الكتاب الشعبي سنة 1587 بفرانكفورت على نهر الراين تحت عنوان: (تاريخ الدكتور يوهان فاوست الساحر الشهير جداً وكيف باع نفسه للشيطان لمدة محددة والمغامرات العجيبة التي شاهدها في تلك الفترة أو تسبب فيها أو عاناها هو نفسه إلى اليوم الذي تلقى فيه جزاءه الذي يستحقه) أو (الكتاب الشعبي عن الدكتور فاوستوس: قصة الدكتور يوهان فاوستن، الساحر المشهور، ذي السحر الأسود، جمعت في الغالب من كتاباته التي تركها وراءه لتكون عبرة منذرة ومثالاً مفزعاً وتحذيراً صادقاً من القلب لكل إنسان غير مؤمن). والكتاب الشعبي شكل من أشكال أدب التسلية المنتشر بين الناس منذ القرن السادس عشر، ويضم أجناساً أدبية متعددة مثل الفابيولا والأساطير والخرافات والمساخر الشعبية وأساطير تعود على القرون الوسطى، وهو هنا تجميع للمعلومات المتناقلة بين الناس حول خرافات فاوست وشخصيته التي جمع فيها بين الإيمان (سمة العصور الوسطى) والرغبة في المعرفة (وهي سمة عصر الأنوار).
ومثل الفابيولا وحكايات الأخوان غريم، تناقل الناس أسطورة فاوست شفهياً ثم في الكتاب الشعبي، واقتبس منها الكتّاب في العالم معتمدين على الأصل الألماني، مع تغيير في محتوى أو نهاية النص الأصلي المكتوب بالألمانية، ليلائم السياق الثقافي المستقبل لهذه الأسطورة.
الأخوان غريم والأدب الشعبي
دعت الرومانسية إلى الغوص في الينابيع الأولى للثقافة الجرمانية والبحث عن كنوز الشعب المطمورة وجمع تراثه الوسيط، فتزايد الاتجاه بالارتباط بالشعب والانتماء للوطن وقيمه وتقاليده وتراثه، في إطار بحث ألمانيا عن ثقافة وهوية وطنية وإحساس الألمان بحاجتهم إلى تطوير لغتهم والبحث عن كل ما هو أصيل وحي. فبدأ الألمان بجمع كل ما هو ألماني وجرماني وشمالي وشعبي ولو من على شفاه العجائز من أساطير وأغان وأمثال وحكايات خرافية. فشهدت هذه الفترة اهتماماً كبيراً بإعادة اكتشاف الكتب الشعبية مثل الأغاني الشعبية والحكايات الشعبية حيث تم جمعها وإعادة صياغتها. واهتم الرومانسيون بثقافة العصور الوسطى الشعبية فقاموا بجمع وإعادة صياغة الحكايات الشعبية. وأشهر من جمع ونقّح التراث الشعبي الألماني الأخوان جريم في كتابهما (حكايات للأطفال والشعب).
واعتمد الأخوان غريم في جمعهما وتدوينهما للأدب الشعبي على التراث الشفهي والأحاديث الشعبية، والأساطير القديمة، وشعر الأبطال الوسيطي، وكتب الشعب والمساخر، والأساطير الإيرلندية والسلافية، ويشرح الأخوان منهجهما في الجمع والتصنيف، فيقولان: (لقد اجتهدنا في أن نحافظ على نقاء هذه الحكايات الخرافية، فلم نضف إليها شيئاً أو نغير منها شيئاً).
ويعتبر الأخوان غريم الحكايات الشعبية شاهداً على روح الشعب وروح العصر، فالحكايات المتناقلة هي أصل الشعب ونتاجه وهي حكايات تقترب كثيراً من الحياة السهلة والأولى، كما أنها وبسبب وجود قرابة بين الشعوب انتشرت بشكل واسع.
وتكمن أهمية أعمال الرومانسيين الألمان والنقاد المستنيرين في هذا العصر كونها تشكل نواة للدراسات المقارنة وتموضع نفسها على الحدود الفاصلة بين الدراسات الأنثروبولوجية والإثنوغرافية والدراسات الاستشراقية والأفريقية وغيرها من الدراسات الإنسانية. فقد أدرج النقاد المستنيرون مفاهيم الثقافة الشعبية للتأكد من قيمتها الدينية والاجتماعية والكونية، وتسمح بدراسة العقليات لأنها نصوص مكيفة مع المعطيات المحلية للشعوب.
خاتمة
كانت أغلب النصوص المكتوبة في العصر الوسيط باللغة اللاتينية، بينما كانت النصوص المكتوبة باللغة التي يفهمها الشعب نادرة، وتسمى هذه اللغة. وكان الأدب قد نقل إلى الناس الأدب الشفاهي المتوارث من القرون الماضية، والذي ظل يحتل مكانة مهمة لفترة طويلة، قبل أن يفقدها للأسف، (لهذا يختلف وقت تدوين النص عن وقت نشأته الأصلية الشفاهية).
اعتمد أدب القرن الثامن عشر على الأشكال الأدبية الصغيرة وعلى البساطة في الأسلوب لتكون هذه الأشكال حاملة لأفكار التنوير وللأفكار التعليمية والتربوية والأخلاقية. فاتسم أدب عصر التنوير الشعبي بأهدافه التربوية، ذلك أن أهم شيء في هذا العصر هو تدريب العقل والقدرة على التفكير. من ناحية أخرى، قدم الأدب الشعبي في ألمانيا الأمل في تحسين أوضاع البلد السياسية والاجتماعية من خلال اهتمام الأدب الشعبي بموضوعات وشخصيات تنتمي إلى الطبقات الشعبية الدنيا من المجتمع، كما بحثت ألمانيا عن أرض مشتركة بينها وبين التراث الأدبي العالمي، حيث اعترفت أن التاريخ الفكري هو تاريخ مركب ومن أهم العوامل الجامعة فيه (الأدب الشعبي) الذي كان وما يزال عنصراً مهماً في حركة تلاقي الحضارات التي تتقاسم هذا التراث، لأنه تراث لا يمكن لنا أن نزعم أنه خاص بنا وحدنا.


ذو صلة
التعليقات