مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

وديع فلسطين.. يلحق بأعلام عصره

رحل عنا منذ أيام الصحفي والأديب المصري وديع فلسطين عن مئة عام. عاش في صمت، لا يلهث وراء الشهرة ولا المادة، فعاش حياة كريمة هي أقرب إلى الكفاف.
وها أنا أكتب كلمة ارتجالية في الحديث عنه، كما كان يكتب مقالاته كلها ارتجالاً.

اسمه وديع (وله من اسمه نصيب) فلسطين حَبَشي، وعُرف بوديع فلسطين، ويوحي اسمه بأنه فلسطيني مسلم، والصحيح أنه قبطي صعيدي مصري. استدعي من قبل الأجهزة الأمنية ذات مرة وقالوا له: متى جاء الأخ من فلسطين؟
تعرفت إليه منذ بداية التسعينات من القرن الماضي، وامتد التواصل بيننا مراسلة، فوصلتني منه مئات الرسائل، نشرت قسماً صغيراً منها في كتابي (رسائلهم إلي) وسأنشر القسم الأكبر منها في كتابي (عزيزي أحمد، من رسائل صبحي البصام ووديع فلسطين إلى أحمد العلاونة). وتواصلت معه كذلك هاتفياً، والتقيته في القاهرة مرات كثيرة، بدءاً من عام 2003 حتى عام 2019 سواء في بيته أم في حفل توزيع جائزة حسن عبدالله القرشي، التي كان يحرص على حضورها، والتقيته بعمّان في زيارته اليتيمة للأردن، وكتب مقدمة لكتابي (إبراهيم السامرائي). وكنت سبب جمع أحاديثه المستطردة التي كان ينشرها في صحيفة الحياة بعنوان (حديث مستطرد)، كما ذكر ذلك أستاذنا محمد علي دولة -يرحمه الله- صاحب دار القلم. ولما كان عنوان المقالات ليس فيه دلالة على مضمونها في رأي الناشر اختار لها عنوان (وديع فلسطين يتحدث عن أعلام عصره). وقد لقي الكتاب قبولاً ورضا عند الناس، لم يلتزم فيه بمذهب معين في كتابة التراجم والسير، فكان حديثاً مستطرداً، فشرّق وغرّب إذا ما اقتضاه الاستطراد للجو الأدبي والإنساني للأعلام الذين تحدث عنهم -كما يقول- فرسم صورة حية لكل عَلَم تحدث عنه، وهذا الأصل في التراجم، أن تجعل صاحب الترجمة كائناً حياً يتحرك، ولم يخلُ الأمر من حديث عن النفس ما دام يتحدث عن أعلام عرفهم بشخوصهم وذواتهم. ولو اتسع المجال وساعدت الظروف لما قصّر -كما يقول- مع كثيرين من الذين عرفهم ولم يتحدث عنهم، مثل: محمود محمد شاكر، حسن كامل الصيرفي، وكامل كيلاني، وعبدالحميد جودة السحار، ويحيى حقي، ونزار قباني وغيرهم.
كان وفياً لأساتذته وأصدقائه، فكتب عنهم مؤبناً، ولسيرهم مادحاً، ولمؤلفاتهم معرفاً. وسمعت من أستاذنا العلامة الدكتور ناصر الدين الأسد رحمه الله: الأوفياء ثلاثة: يعقوب العودات، وعيسى الناعوري، ووديع فلسطين، وكلهم نصارى.
لم يكن متعصباً للمصريين، بل كان شامي الهوى، يقر بفضل الشوام على النهضة في مصر، ويقصد بالشوام الذين قدموا من سوريا ولبنان واستقروا في مصر، مثل بشارة تقلا، ويعقوب صروف، وخليل مطران، وعادل الغضبان وغيرهم. وعندما سألته مرة عن أكثر شخصية أثرت في أسلوبه أجاب: وداد سكاكيني.
كان صاحب مجلس لا يمل، تسأله فيسترسل في الحديث، وينتقل بك من موضوع إلى موضوع، قوي الذاكرة، حافظاً للتواريخ. أما مراسلاته، فكانت كل رسائله في ورقة واحدة وعلى الوجهين، ولا يترك فراغاً لكلمة أو سطر، حتى لو أرسلت إليه برسالة من أسطر، فلا يتغير رده.
عندما تجلس إليه ويحدثك تجد في حديثه فوائد تاريخية وأدبية لا تجدها عند غيره، ومن أسف أني لم أكن أدوّن فوائده، ففاتني خير كثير، والجالس معه أو زائر بيته لا يشعر بأنه مسيحي، وفي أحاديثه المستطردة يتحدث عن بعض (الإسلاميين) وقد استشهدت بأثر القرآن الكريم في لغته بكتابي (أثر القرآن الكريم في لغة النصارى العرب في العصر الحديث).
كره الانقلابات العسكرية في البلاد العربية، وقد أوذي بمصر بعد انقلاب أو ثورة يوليو 1952، فخرج من مصر سنوات، كما أوذي في ليبيا بعد انقلاب القذافي عام 1969. وعندما كانوا يسمون العهد الملكي في مصر بالعهد البائد البغيض، كان يفتخر بأنه ينتمي إلى ذلك العهد.
عرف فضله وعلمه خارج وطنه، ولقي الجحود في وطنه، فالتفتت إليه الدول الأخرى، فانتخب عضواً بمجمع اللغة العربية بدمشق، ومجمع اللغة العربية الأردني، ورُشّح ثلاث مرات لانتخابه عضواً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، فلم يحالفه الحظ، ورشّحتُه لدى الشيخ عبدالمقصود خوجة -يرحمه الله- ليكرمه في (الإثنينية) فلبى ترشيحي مشكوراً.
كان صادقاً فيما يكتب ويقول، على عكس كثير من الصحفيين، فتجهَّمت له الحياة وهو يؤدي ضريبة الاستقلال بالرأي، وأذكر أن أستاذنا الدكتور ناصر الدين الأسد -يرحمه الله- قال لي مرة: الصحفيون ثلاثة، صحفي يصدق فيما يكتب مثل وديع فلسطين، وصحفي يصدق ويكذب مثل فلان، وصحفي يكذب مثل فلان.
كان يحترم الكتاب ويرفض أن يعامل كبقية السلع، فحين كانت تأتيه الكتب من خارج مصر كان يُطلب منه أن يدفع مكوساً عليها من قبل البريد المصري، فكان يرفض استلامها ليس بخلاً بالمال ولكن من باب المبدأ الذي ذكرته، وكان يكتب لي عنها: ذهبت إلى زبالة البريد الدهرية.
كانت مكتبته هاجساً دائماً له، وفيها نوادر كدواوين شعراء المهجر، فلما أراد ورثة أحمد زكي أبو شادي جمع دواوينه لم يستطيعوا جمعها كاملة إلا بعد الاستعانة بنسخ الأستاذ وديع فلسطين، وأذكر أنه قال مرة: لو مِتُّ قبل زوجتي لأحضرت أصحاب الروبابكيا (تجار كل شيء قديم أو تالف) وأعطتهم المكتبة بدواليبها وأعطتهم فوقها مالاً. ومما احتفظت به مكتبته نحو عشرة آلاف رسالة من الأدباء والعلماء والشعراء العرب، ورفض بيع رسائل السعوديين لدارة الملك عبدالعزيز، لأنه كان يعتبر الرسائل أموراً شخصية لا ينبغي بيعها أو نشرها، كما رفض بيع مكتبته، ولما سألته عن مآلها أجاب بأنه ينوي إهداءها للجامعة التي تعلم فيها: الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ولكني فوجئت بعد ذلك بأنه باعها بثمن بخس مع الرسائل لإحدى تلميذاته اللبنانيات، وأسفت لذلك.
ولد في مركز إخميم من محافظة سوهاج بصعيد مصر عام 1342هـ/ 1923م، ودرس الصحافة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وعمل محرراً في صحيفة (المقطم) ومجلة (المقتطف)، ورأس تحرير مجلة (الاقتصاد والمحاسبة) وعلّم في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وأنشأ مع الشاعر الطبيب إبراهيم ناجي (رابطة الأدباء) عام 1945، واختير نائباً لرئيسها، إلى أن توقفت عام 1952 بعد ثورة العسكر. وعمل مراسلاً لمجلة (قافلة الزيت) التي تصدرها أرامكو، ثم عين مديراً لمكتبها في القاهرة، واستكتب كبار الكتاب المصريين فيها، كالعقّاد وغيره، وغير المصريين كوداد سكاكيني، والأمير مصطفى الشهابي، ثم عمل مدة قصيرة في ليبيا انتهت بانقلاب القذافي على النظام الملكي عام 1969، وعاد إلى القاهرة يترزق بما يدرّه عليه قلمه من الترجمة للصحف، وكانت تعطي مكافأة مجزية، وبما ينشره من مقالات، وظل يعيش في بيته المستأجر بمصر الجديدة يعيش حياة الكفاف وحيداً بعد أن هاجر ابنه إلى كندا، تخدمه سيدة في آخر حياته، إلى أن هاجم بيته بعض اللصوص فضربوه وأدخل المستشفى. ولما خرج عاده وزير الثقافة المصرية عشر دقائق وأعطاه درعاً، وطلبت منه الخادمة أن تتكفل الوزارة بتأمين صحي له، فرد عليها الوزير بأن هذا ليس من شغلي.
وعلى ذكر الدرع كتب لي مرة بأننا نحن الأدباء نُكرَّم بالدروع والشهادات التقديرية، والفنانون والمطربون يكرمون بجوائز مالية. وبعد الحادثة أخذته ابنته في القاهرة إلى بيتها فأقام هناك بعد أن ضعف بصره إلى أن مات، وكنت بين مدة وأخرى أتصل به اتصالاً هاتفياً.
من كتبه: (وديع فلسطين يتحدث عن أعلام عصره) جزءان، وفيه فوائد وفرائد ونوادر لا تجدها في كتاب غيره، و(قضايا الفكر في الأدب المعاصر)، و(مختارات من الشعر العربي المعاصر) و(من مقالات وديع فلسطين في الأدب والتراجم) مما نشره في مجلة الهلال، و(من سوانح وديع فلسطين) مقالات نشرها في صحيفة (الإنذار) جمعها ونشرها أخونا الفاضل محمد بن سعود الحمد، (إبراهيم ناجي وأجمل أشعاره) ومن ترجماته (قضية فلسطين في ضوء الحق والعدل) لهنري كتن، و(نهضة الجزيرة العربية) لجورج خير الله (ت 1959م)، ترجمه في شهر في مركبات الترام، إذ استغل الوقت الضائع في ركوبه خلال الذهاب والإياب، ساعده على ذلك كرسي مريح ساعده على إنجاز هذه المهمة، فكان يترجم كل يوم عشر صفحات منه، وقد ترجمه في حياة مؤلفه، وكانت أمنية جورج الغالية أن يطبع في حياته، ومن أسف أنه لم يطبع في حياته، وآل الكتاب إلى مكتبة الملك عبدالعزيز الخاصة، وكلّفت دارة الملك عبدالعزيز الأستاذ وديع بمراجعة ترجمته، فصدر الكتاب عن الدارة عام 2009، ولئن فات جورج خير الله أن يرى كتابه مطبوعاً، فإن الأستاذ وديع لم يره مطبوعاً أيضاً، مع أنه طبع في حياته، لأنه رفض أن يدفع جمركاً للبريد المصري، على الخمسين نسخة من الكتاب التي أهدتها إليه دارة الملك عبدالعزيز. و(درب الحرية) لمارتن لوثر كنغ. وهناك أربعة كتب راجعها وقدم لها، وهي (مي، حياتها وصالونها الأدبي)، و(العقاد) و(طه حسين) و(عبدالرحمن شكري، حياته، شعره، نثره، مأساته). وحرر تراجم كثيرة في كتاب (أعلام مصر والعالم).
ومما أفادني به وفيات الأعلام، وخطوط الأعلام وصورهم، وتصحيح ما جاء في تراجمهم بكتاب الأعلام، وأحياناً كنت أستفيد من تعليقاته على التراجم.
كان يرى أن يكون النقد مهذباً وعلمياً بعيداً عن السباب والعصبية، وذكر لي في إحدى رسائله أن الأستاذ العلامة محمود محمد شاكر -يرحمه الله- جعل من ردوده على لويس عوض ردوداً دينية وبالمدفعية الثقيلة، وكان الحق معه، ولكن يكفيه أن يجرد ردوده من تلك المدفعية الثقيلة. ومما أوصاني به: لا تدخل معارك، المنتصر فيها مهزوم، وأكبر رد تلجم به خصومك هو العمل والإنجاز الذي يبقى أبد الدهر.
كان آية في حسن الخلق ولين الجانب، واستبقاء الود والإخاء، لذلك لم يكن له خصوم في حياته.
رحم الله الأستاذ وديع فلسطين، عاش العصر الذهبي للثقافة العربية، وأدرك كبار الأدباء والصحفيين والمفكرين وكان آخرهم.

ذو صلة
التعليقات