مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

الأرناؤوطيان.. شعيب وعبدالقادر

يُطلق الأتراك لقب (الأرناؤوط) على كلِّ مهاجر من بلاد البلقان (يوغسلافيا وألبانيا) إلى تركيا، وكثيرٌ من هؤلاء انتقلوا بعد نزولهم بتركيا أو مرورهم بها، إلى بلاد الشام.
ومن أشهرهم الشيخان الجليلان أبو أسامة (شعيب الأرنؤوط) وأبو محمود (عبدالقادر الأرناؤوط) رحمهما الله تعالى، فهما علَمان لامعان من أعلام التحقيق في عصرنا، ومحدِّثان بارزان من علماء السنَّة الشريفة. اشتركا في تحقيق غير قليل من كتب الحديث والفقه والتفسير، واقترن اسمُ كلٍّ منهما بالآخَر حتى توهَّم كثيرٌ من طلاب العلم والعامَّة أنهما أخوان شقيقان، أو ابنا عمٍّ لَحّاً!
وليس الأمرُ كذلك، فإن كلّاً منهما من بلد، الشيخ شعيب من دولة ألبانيا، والشيخ عبدالقادر من دولة كوسوفا، لكنَّهما لِدانِ وأخَوانِ في الله، وزميلا دراسة وطلب، ورفيقا عمل ودعوة. فكان مولدهما في السنة نفسها عام 1928م، ونشآ وترعرعا معاً في دمشق، وترافقا في طلب العلم في حَلْقة العالم المربِّي الشيخ صالح الفُرفور رحمه الله، ثم تزاملا سنواتٍ في التحقيق في المكتب الإسلامي بدمشق لشيخنا العالم المجاهد زهير الشاويش رحمه الله، وبقيت الصلةُ وثيقةً بينهما إلى وفاتَيهما، رحمهما الله وجزاهما عن سنَّة رسوله خيرَ الجزاء.
هذا، وقد سمعتُ شيخنا الفقيه المحدِّث الدكتور محمد بن لطفي الصبَّاغ رحمه الله، في مجلس بداره، ليلة 21 من رمضان 1434هـ، يقول:
«أشهد شهادةً لله أن للشيخ زهيرٍ الشاويش فضلاً كبيراً على الشيخين شعيبٍ وعبدالقادر، فقد شجَّعَهما وأعانهما، ومهَّد لهما السُّبل ليغدُوا عالمَين كبيرين، ومحقِّقَین حاذقين. وشعيبٌ صَعبٌ شَموس، وعبدُالقادر هيِّن ليِّن. رحمهم الله جميعاً». ثم ذكر مرَّة أُخرى الشيخ شعيباً قبيل وفاته فقال: «لا أعرفُ اليوم أحداً أعلمَ بالسنَّة منه».
شذَرات أرناؤوطية
1 - وُلد شيخنا شعيبٌ الأرنؤوط في مدينة دمشق، سنة 1346هـ/ 1928م، حيث استقرَّت أسرتُه بعد هجرتهم من ألبانيا عام 1926م، وفيها نشأ، ثم انتقل إلى عمَّان وقضى فيها العقودَ الأخيرة من عمره، إلى وفاته يوم الخميس 26 من المحرَّم 1438هـ (27/ 10/ 2016م).
في حين وُلد شيخنا عبدالقادر الأرناؤوط في قرية (فريلا/ فريلة vrela) من إقليم كوسوفا (قُصُوة)، سنة 1347هـ/ 1928م. هاجرَ مع أهله إلى الشام وهو ابنُ ثلاث سنين، واستقرَّ بدمشقَ حتى وفاته يوم الجمعة 14 شوَّال 1425هـ (26/ 11/ 2004م). واسمه الحقيقي: قَدْري بن صُوقَل (سُوكُول) بن عَبْدول بن سِنان بْلاكاي (بْلاكِيتْش)، الشهير بعبدالقادر الأرناؤوط.
2 - درَجَ شیخنا شعيبٌ على كتابة لقبه (الأرنؤوط) بلا ألف، ودرَجَ شيخنا عبدالقادر على كتابته (الأرناؤوط) بالألف، وقد أثبتُّ لقب كلٍّ منهما على مذهبه وطريقته.
3 - من مشاهير الأرناؤوط من علماء الحديث في الشام، فضيلةُ الشيخ المحدِّث (محمد ناصر الدين بن نوح نجاتي الأرنؤوطي) هكذا كان يكتب اسمه على أغلفة كتبه الأولى، ثم عدَل عنه إلى (محمد ناصر الدين الألباني). لقَّبه أديبُ الفقهاء الشيخ علي الطنطاوي بمحدِّث العصر، ولقَّبه العلامة أحمد راتب النفَّاخ برجل السُّنَّة في بلاد الشام، رحمهم الله جميعاً.
4 - الشيخان ناصر الدين الألباني وشعيب الأرنؤوط بلَديَّان، فكلاهما من مدينة واحدة وهي أشكودرا (أشقودره لي/ سكوتاري) العاصمة القديمة لألبانيا، وُلد الشيخ ناصر فيها سنة 1333هـ/ 1914م، وهاجر مع أسرته إلى دمشق عام 1926م، وهو ابنُ اثنتي عشرة سنة، وشبَّ فيها واكتهَل، ثم غادر إلى عمَّان وأقام فيها حتى وفاته يوم السبت 22 من جُمادى الآخرة 1420هـ (2/ 10/ 1999م).
5 - كان والدُ الشيخ ناصر الدين (نوح نجاتي آدم الألباني)، ووالدُ الشيخ شعيب (مُحرَّم الألباني الأرنؤوطي) صديقَين حميمَين، وقد هاجرا معاً فراراً بدينهم، وحفظاً لأُسَرهم، سافرا وحدَهما ابتداءً لاستطلاع البلدان المناسبة، فزارا مصر ثم الشام، فطابَت لهم دمشق، واطمأنَّا إلى صلاحها، فعادا إلى ألبانيا وأحضرا سائرَ أهلهما وأولادهما.
6 - أُسَر الأرناؤوط التي نزلت في دمشق، ليس منها سوى 3 أسر هاجرت من ألبانيا، هي: أسرة الشيخ نوح نجاتي (والد ناصر الدين)، وأسرة محرَّم (والد شعيب)، ثم أسرة الشيخ سليمان غاوجي الألباني التي هاجرت نحو سنة 1937م.
أما سائرُ الأرناؤوط بدمشق، فمعظمُهم من كوسوفا فيما كان يُسمَّى (يوغسلافيا)، ومن مقدونية، كانت هجرتُهم إلى تركيا أولاً، ثم تابع كثيرٌ منهم طريقه إلى دمشق، وسكنوا في حيِّ الديوانية، ومنهم أسرةُ شيخنا عبدالقادر الأرناؤوط. (انظر: المحدِّث العلامة الشيخ شعيب الأرنؤوط سيرته في طلب العلم وجهوده في تحقيق التراث، لأستاذنا إبراهيم الزيبق، دار البشائر الإسلامية ببيروت، ط1، 1433هـ/ 2012م، ص22 الحاشية الأولى).
7 - (كوسوفا) ينطِقها أهلها المسلمون بالألف، وينطِقها الصِّربُ والأوربيون (كوسوفو) بالواو، ولهذا ما كان شيخنا عبدالقادر يحثُّنا على نطقها بالألف لا الواو.
***
ما أُلِّف عن الشيخين
صُنِّفَ في سيرة الأرناؤوطيين عددٌ من الكتب والدراسات، فممَّا أُلِّفَ عن شيخنا المحدِّث المحقِّق شعيب الأرنؤوط رحمه الله تعالى، ووقفتُ عليه هذه الكتب:
- أقدمُها كتابُ الأخ الصديق البحَّاثة، والأديب الشاعر الأُردُنِّي د. إبراهيم الكوفحي (المحدِّث شعيب الأرنؤوط جوانبُ من سيرته وجهوده في تحقيق التراث)، فله فضل السَّبق والتقدُّم.
- وألطفُها وأطرفها كتابُ شيخنا العالم المحقِّق المسنِد الكويتي محمد بن ناصر العَجْمي (العلامة الشيخ شعيب الأرنؤوط كيف أحببته).
- وأبدعُها وأوسعُها كتابُ أستاذنا المؤرِّخ المحقِّق الأديب الدمشقي إبراهيم الزيبق (المحدِّث العلامة الشيخ شعيب الأرناؤوط سيرته في طلب العلم وجهوده في تحقيق التراث)، صاغ سيرةَ الشيخ بتفاصيلها ودقائقها، بأسلوب قصصيِّ بليغ رائق.
ولولا ما خامرَ كتابَه من تنكُّبِ جادَّة الإنصاف فيما روى عن شيخنا زهير الشاويش، لبلغ الغايةَ جودةً وإحكاماً، إذ أبعدَ أستاذُنا الزيبق النُّجعةَ بخوضه في أحداث حِقبةٍ لم يشهدها، ومرحلةٍ لم يُدركها، مقتصراً على روايةِ وجهة نظر طرفٍ واحد من طرفَي القضية، ولو أنه سمع من الطرف الآخَر لما قال ما قال! رحم الله الشيخين الشاويش والأرنؤوط، وجزاهما عن سنَّة رسولنا الكريم خيرَ الجزاء.
ومما أُلِّفَ عن شيخنا المحدِّث المحقِّق عبدالقادر الأرناؤوط رحمه الله تعالى، ووقفتُ عليه هذه الكتب:
- أسبقُها وأقدمها كتابُ أخينا الأستاذ محمود بن محمد جميل الكسر المَنبِجي (كشف اللِّثام عن أحد محدِّثي الشام المحدِّث الشيخ عبدالقادر الأرناؤوط) كتبه من فم شيخنا الأرناؤوط، وقد سعدَ الشيخُ به ورضيَ عنه، وصار يوزِّعه على طلَّابه وأحبابه وزوَّاره، وإذا ما طُلب إلى بعض فروع الأمن كان يحمل نسخةً منه يقدِّمها إلى الضابط المسؤول عن التحقيق معه، ويقول له: في هذه الرسالة كلُّ ما يتصل بسيرتي وأعمالي من الولادة حتى الآن، فأرِحني من أسئلتك واستفساراتك!
- وأوسعُها وأغناها كتابُ ولده الأستاذ الباحث محمود الأرناؤوط (ت 1438هـ) رحمه الله (سيرة العلامة الشيخ عبدالقادر الأرناؤوط)، وعلى ما فيه من فوائدَ انفرد بذكر ما لا يصحُّ عن الشيخ يقيناً، ممَّا لم يذكُره في مجالسه وفيما أُجريَ معه من حوارات ولقاءات تلفازية وصَحفية، وما لا يعرفه أوثقُ الناس صلةً به!
- وآنسُها وأبهجها كتابُ ولده الأستاذ مازن الأرناؤوط (مواقفُ وذكرياتٌ من حياة الشيخ عبدالقادر الأرناؤوط) حشد فيه قدراً كبيراً من المواقف والذكريات رواها أصحابُ أبيه وطلَّابه وعارفوه، تدلُّ على كريم خِلال الشيخ، وجميل شمائله وصفاته.
شكر الله للأساتذة الكرام جميعاً ما بذلوه من جهد في التعريف بهذَين العلَمَين الجليلين من أعلام الحديث والسنَّة في عصرنا، وتقبَّل منَّا ومنهم صالح القول والعمل.

ذو صلة
التعليقات